المجلس الوطني لحقوق الإنسان يكشف بعض خيوط أحداث سبتة المحتلة.. تضليل رقمي وانتهاكات إسبانية وشبكات الاتجار بالبشر

أفاد المجلس الوطني لحقوق الإنسان بأن عمليات العبور الجماعي نحو سبتة ومليلية المحتلتين سبقتها أسابيع من المحاولات المتصاعدة، بالتوازي مع انتشار واسع لمضامين مضللة استندت إلى تأويل غير دقيق لقرار صادر عن المحكمة العليا الإسبانية، قبل أن تتحول الفضاءات الرقمية إلى مجال للتعبئة والتنسيق وتبادل الإرشادات العملية، وسط رصد حسابات وأرقام هاتفية أجنبية ومؤشرات على نشاط وسطاء أو شبكات قد تكون مرتبطة بالاتجار بالبشر.
ووفق بلاغ رسمي نشره المجلس، الجمعة 7 غشت 2026، تضمن خلاصات أولية لرصده الميداني والرقمي وللمعطيات التي جرى تدقيقها من مصادر متعددة، فقد خلفت الأحداث، حسب المعطيات المغربية المتوفرة إلى غاية 6 غشت، 14 حالة وفاة، فيما لا تزال جثامين مودعة بمستودع الأموات في انتظار استكمال إجراءات التعرف عليها وتسليمها إلى أسرها.
وأوضح المجلس أنه أحدث، في 29 يوليوز، لجنة لليقظة والتنسيق والتتبع ضمت رؤساء اللجان الجهوية لحقوق الإنسان بجهات الشرق وطنجة-تطوان-الحسيمة والدار البيضاء-سطات، إلى جانب مديرية الرصد ومديرية التواصل والفضاء الرقمي ومكلف بمهمة لدى رئاسة المجلس، فيما قامت فرق تابعة له بتتبع التجمعات ومحاولات العبور والاستماع إلى شهادات شباب وأطفال بعدد من المدن وبجوار نقطتي بني أنصار-مليلية والفنيدق-سبتة.
وامتد الرصد إلى المنصات الرقمية، حيث اطلع الفريق المركزي للمجلس على منشورات 23 مجموعة على فيسبوك تضم مجتمعة أكثر من مليون و86 ألف عضو وتنشر في المتوسط أكثر من 1400 تدوينة في اليوم، قبل حذف خمس مجموعات رئيسية منها في 30 يوليوز.
وأعاد المجلس بناء تسلسل الأحداث منذ منتصف يونيو، مسجلا توقيف 30 مرشحا للهجرة نحو أوروبا بمدينة الناظور يوم 16 يونيو، ثم نحو 30 آخرين بسوس ماسة كانوا في اتجاه جزر الكناري في 23 يونيو، قبل تشديد المراقبة الأمنية بالفنيدق وتعزيز الحضور في عدد من النقاط الحساسة والشواطئ القريبة منها في 30 يونيو.
وسجل البلاغ تحولا أساسيا في 8 يوليوز، تاريخ نشر قرار المحكمة العليا الإسبانية رقم 814/2026، الذي أكد أنه في حالة اعتراض مهاجرين في البحر لا يخضعون لنظام الإرجاع الفوري على الحدود، وإنما لإجراء الإرجاع المنصوص عليه في قانون الأجانب. وفي اليوم نفسه، رصد المجلس أول محتوى مضلل على صفحة فيسبوكية يتجاوز عدد متابعيها 90 ألف شخص، يفيد بأن من يتم اعتراضهم في البحر أثناء السباحة نحو سبتة أو مليلية “لا يمكن إرجاعهم”، مع نسب هذه المعلومة إلى “وفد حكومي إسباني”، وقد حقق المنشور تفاعلا كبيرا.
وفي 13 يوليوز، رُصد محتوى مماثل يروج لـ”منع المحكمة العليا الإسبانية للإعادة الفورية للمهاجرين”، داخل مجموعة كانت تضم قبل حذفها أكثر من 124 ألف عضو وتنشر بمعدل 231 تدوينة يوميا.
وتزامن انتشار هذه المضامين مع استمرار محاولات العبور وعمليات إحباطها. فقد أوقفت السلطات المغربية محاولة هجرة لـ20 شخصا عبر الناظور في 14 يوليوز، قبل أن توقف البحرية الملكية في اليوم التالي محاولة جماعية لـ50 شخصا نحو سبتة انطلاقا من الفنيدق، ثم تسللا جماعيا لعشرات المهاجرين سباحة في 17 يوليوز، فيما أحبطت السلطات في 19 يوليوز محاولة شارك فيها نحو 200 شخص عبر تارخال وبليونش.
وخلال الفترة الممتدة من 15 إلى 27 يوليوز، سجل المجلس 1500 حالة هجرة إلى سبتة من البالغين والقاصرين، قبل أن تصل شابة تنحدر من العرائش سباحة إلى المدينة في 28 يوليوز ضمن مجموعة تجاوز عدد أفرادها 100 شخص. وأشار المجلس إلى أن صورتها رفقة صديقتها وهما ترفعان شارة النصر انتشرت على نطاق واسع وتحولت إلى مادة للترويج والتضليل استنادا إلى تأويل غير دقيق أو مغرض لحكم المحكمة العليا الإسبانية.
وفي 29 يوليوز، انتشرت داخل الفضاءات الرقمية أخبار ومحتويات تفيد بأن “الحدود” مفتوحة، فيما شهد يوما 29 و30 يوليوز توافد أعداد كبيرة من الشباب والقاصرين والعائلات على الفنيدق. وخلال عمليات التقصي الميداني، أفادت مجموعات من الشباب بأنها تلقت رسائل عبر واتساب تدعوها إلى التوجه إلى بوابة العبور بعد منتصف الليل من أجل المرور الجماعي إلى سبتة.
وفي 30 يوليوز، عبر آلاف المواطنين المغاربة والأجانب، من بينهم أطفال صغار ويافعون ونساء، إلى سبتة، في حين شهد محيط بني أنصار وفرخانة والمسالك القريبة من السياج والساحل محاولات عبور نحو مليلية، وسجل فريق المجلس خلالها رشق مركبات بالحجارة وإضرام النار في سيارات خاصة وأخرى تابعة للسلطات وإلحاق أضرار بممتلكات عمومية.
كما رصد المجلس بين 29 و31 يوليوز إجراءات لمنع انتقال أعداد كبيرة نحو مدن الشمال، شملت توقيف رحلات بمحطات طرقية وقطارات في الدار البيضاء والمحمدية والجديدة والقنيطرة وفاس ووجدة وإنزكان ومراكش والقصر الكبير ومدن أخرى.
وبحسب البلاغ، بدأت في 31 يوليوز موجات الرجوع الطوعي للعابرين، وعاين فريق المجلس خلال عودة بعضهم آثار ضرب وندوبا على أجساد شباب، كان بعضهم يجد صعوبة في المشي إما بسبب ما تعرض له من ضرب ورفس أو نتيجة العياء والإجهاد. وفي فاتح غشت، رصد المجلس تعبئة السلطات المغربية للحافلات ومركبات النقل لإعادة الأشخاص من الفنيدق إلى مدنهم الأصلية عقب رجوعهم من سبتة.
وفي الجانب المتعلق بالحصيلة، أفاد المجلس بأن عدد الإصابات المسجلة في صفوف المدنيين بلغ 136 إصابة طفيفة، فيما أحيل 13 مصابا إلى مؤسسات استشفائية، خاصة في حالات الكسور أو الحالات التي استدعت فحوصات بالأشعة المقطعية. كما تلقى 87 عنصرا من القوات العمومية استشارات وعلاجات طبية، في حين أشار المجلس إلى عدم صدور أي تصريح من السلطات الإسبانية بشأن إصابات محتملة في صفوف قواتها العمومية.
وبلغ عدد الموقوفين على خلفية الأحداث المرتبطة بسبتة نحو 100 شخص، من بينهم 11 حدثا، وفق المعطيات التي أوردها المجلس. ويتابع 69 شخصا في حالة اعتقال و14 في حالة سراح، فيما جرى إيداع ستة أحداث بمراكز للرعاية الاجتماعية وتسليم خمسة إلى أولياء أمورهم، كما حُفظت ملفات ستة أشخاص لانعدام الفعل الجرمي.
وعلى مستوى بني أنصار، أحيل 23 شخصا متابعا على استئنافية الناظور، من بينهم أجنبيان، إضافة إلى إحالة 11 قاصرا على التحقيق بالمحكمة نفسها. أما الأضرار المادية التي رصدها المجلس بمدينة الفنيدق وباب سبتة إلى حدود 3 غشت، فشملت نحو 61 سيارة خاصة و15 دراجة نارية و18 سيارة تابعة للقوات العمومية.
وفي ما يتعلق بأعداد العابرين، أشار المجلس إلى أن السلطات المغربية أعلنت في 2 غشت عبور 40 ألف شخص إلى سبتة و1135 شخصا في اتجاه مليلية، وكانت حصيلة الوفيات آنذاك 11 شخصا، قبل أن ترتفع إلى 14 وفق المعطيات المتوفرة في 6 غشت. وفي المقابل، سجل المجلس تضاربا في الأرقام الإسبانية بعدما أعلنت سلطات سبتة تباعا عن 50 ألف عابر ثم 60 ألفا قبل رفع التقدير إلى 72 ألفا، إلى جانب إعلان 80 وفاة. كما شمل التضارب، بحسب المجلس، أعداد من غادروا سبتة طواعية ومن قرروا البقاء وعدد الأطفال غير المرافقين الموجودين بالمدينة.
وخلص المجلس إلى أن المجموعات الموجودة في الفضاء الرقمي لعبت دورا رئيسيا في الأحداث، سواء من خلال عرض وبيع واقتناء معدات السباحة وسترات النجاة وملابس الرياضات البحرية والزعانف، أو عبر تبادل الإرشادات بشأن الاستعداد للعبور، وتحديد نقاط الالتقاء، وتبادل المعلومات الميدانية، وكيفية الوصول إلى طنجة ومنها إلى سبتة، قبل مواصلة التنسيق عبر مجموعات واتساب وتلغرام.
كما رصد منشورات تحمل مؤشرات على نشاط وسطاء أو شبكات قد تكون مرتبطة بالاتجار بالبشر، تعرض “خدمات” لتنظيم أو تسهيل رحلات العبور، إلى جانب منشورات تتعلق بأماكن المراقبة والمسالك والتوقيت الأنسب وتجارب العبور السابقة.
ومن أبرز خلاصات الرصد الرقمي تسجيل وجود عدد من الحسابات الأجنبية داخل مجموعات مغربية كانت تنشر أخبارا زائفة ومضامين لتشجيع وتسهيل العبور. وكشف المجلس أن إحدى مجموعات واتساب التي كانت تتداول “الإرشادات” وطرق الوصول إلى سبتة حذفت جميع الأرقام الهاتفية التي تحمل الرمز الدولي لدولة أجنبية، فيما تضمنت مجموعة أخرى أكثر من 18 رقما هاتفيا من الدولة الأجنبية نفسها، من دون أن يكشف البلاغ عن اسمها.
وأكد المجلس في خلاصاته أن الفضاءات الرقمية ساهمت “بشكل حاسم” في جميع مراحل تحضير العبور وما أعقبه في سبتة، وبدرجة أقل في مليلية، وأن قرار المحكمة العليا الإسبانية استُخدم مصدرا للتضليل والترويج والتنسيق والإرشاد والتعبئة، مع رصد حسابات وأرقام هاتفية ومضامين لصناع محتوى من خارج المغرب داخل المجموعات المغربية.
وفي سبتة المحتلة، وثق المجلس سلسلة من الوقائع المرتبطة بأوضاع العابرين، إذ أشار إلى أن السلطات المحلية قررت في 31 يوليوز إغلاق المحلات التجارية، بناء على قرار من رئيس الحكومة المحلية وطلب من الشرطة المحلية، وفق بلاغ رسمي لكونفدرالية أرباب المقاولات بسبتة.
وقال المجلس إن آلاف الأشخاص، من بينهم أطفال ونساء وأشخاص في وضعية هشاشة، عانوا الجوع والعطش لمدة يومين بسبب إغلاق المتاجر والمقاهي والمطاعم والامتناع عن تقديم المساعدة لهم، مضيفا، استنادا إلى شهادات متواترة، أن عناصر أمنية تدخلت لإخراج شباب من مطاعم قررت تقديم المساعدة لبعض العابرين.
كما وثق المجلس وصول أفراد ينتمون إلى مجموعة تطلق على نفسها اسم “النواة الوطنية” بإسبانيا إلى سبتة في فاتح غشت، مشيرا إلى أنهم يصنفون ضمن “النازيين الجدد”، بعدما كانت المجموعة قد دعت في اليوم السابق إلى التعبئة من أجل “الدفاع” عن سبتة وحمايتها في مواجهة ما وصفته بـ”الغزو”. ووثقت مقاطع فيديو، بحسب البلاغ، استفزازات وتهديدات ومطاردات واعتداءات استهدفت وافدين وسكانا في المدينة، خاصة المسلمين.
وسجل فريق المجلس آثار ضرب وندوبا مختلفة على أجساد شباب عائدين، كما استمع إلى شهادات متعددة ومتطابقة تتضمن ادعاءات بسوء المعاملة والاعتداء على يد قوات عمومية إسبانية، خاصة، وفق تصريحات أصحابها، “في أماكن لا توثقها الكاميرات”.
وخلص المجلس كذلك إلى عدم توفير المساعدة والحماية الكافيتين للعابرين من الاعتداءات والهجمات ذات الطابع العنصري وكراهية الأجانب داخل سبتة، كما لاحظ عدم التقيد بالمعايير والضمانات القانونية الواجبة التطبيق في عمليات الإعادة أو الإرجاع، بما في ذلك ما يتعلق بالوصول إلى إجراءات اللجوء بالنسبة للأجانب، وسجل العودة الطوعية لآلاف العابرين والعودة القسرية لعدد آخر، بمن فيهم قاصرون، استنادا إلى ما اطلع عليه من مقاطع فيديو.
وامتد رصد المجلس إلى المحتوى الإعلامي المصاحب للأحداث، حيث سجل حالات تضليل على قنوات فضائية نشرت محتويات عن حالات “عبور” دون تحقق قبل سحبها لاحقا من دون توضيح أو اعتذار، إلى جانب ما وصفه بتهافت إعلامي وعلى مواقع التواصل الاجتماعي لتقديم فرضيات وتأويلات متسارعة و”مطلقة” مباشرة بعد الأحداث.
كما أشار إلى واقعة جرى تداولها بكثافة على مواقع التواصل الاجتماعي، مؤكدا، بناء على معاينته وشهادة الشخص المعني، أن صورة للواقعة جرى تعديلها وإعادة تشكيلها باستخدام الذكاء الاصطناعي، وأن صورة أخرى نُشرت على أنها توثق إصابات لحقت به لا علاقة لها بالسياق.
وفي خلاصة تقييمه للظاهرة، شدد المجلس على أن محاولات العبور الجماعي للشباب والقاصرين نحو سبتة أو مليلية لا يمكن اختزالها حصرا في مقاربة تربط الهجرة بالفقر أو الهشاشة، داعيا إلى فهم تعقيداتها وما يرتبط بها من تحولات في تطلعات الأفراد وتأثير المجتمعات الرقمية في قرار الانتقال والعبور.



