واقعة وسيم ببوسطن تتحول إلى ورطة دعائية للنظام الجزائري.. مقاطع فيديو تسقط رواية الاعتداء على الطفل

تحولت واقعة الطفل الجزائري وسيم، خلال إحدى تجمعات مشجعي مونديال 2026 في بوسطن، إلى حملة سياسية وإعلامية مكتملة ضد المغاربة قبل أن تتضح حقيقة ما وقع. فقد سارعت منصات جزائرية وأبواق للنظام إلى تقديم الحادث كما لو أنه اعتداء جماعي من مشجعين مغاربة على طفل جزائري بسبب قميص منتخب بلاده، ثم جرى تضخيم القصة ورفعها إلى مستوى رسمي، إلى حد دخول الرئيس عبد المجيد تبون شخصيا على الخط، وحديثه عن متابعة الملف عبر السفارة الجزائرية في واشنطن والسلطات الأمريكية.

هذا الصعود السريع للرواية يكشف أن الهدف لم يكن انتظار الحقيقة، بل فرضها جاهزة على الرأي العام. فالواقعة لم تقدم، في الخطاب الجزائري، باعتبارها حادثا يحتاج إلى تحقيق، بل باعتبارها إدانة جاهزة للمغاربة. ومنذ الساعات الأولى، انتقلت القصة من مقطع متداول إلى اتهام جماعي، ثم إلى خطاب سياسي، وكأن المطلوب لم يكن حماية طفل بل صناعة ملف تعبوي ضد المغرب.

غير أن المقاطع التي ظهرت لاحقا وضعت الرواية الجزائرية في مأزق واضح. فالصور لا تثبت ما تم تسويقه عن هجوم مغربي منظم، بل تظهر تدخل أشخاص يرتدون قمصان المنتخب المغربي لتهدئة الوضع ومساعدة الطفل والاطمئنان عليه بعد احتكاك داخل فضاء مزدحم بين قاصرين وشبان من بينهم الطفل وسيم. هذه التفاصيل أسقطت الجزء الأهم من الحملة، لأنها أظهرت أن من جرى تقديمهم كطرف معتد ظهروا، في الواقع، وهم يحاولون احتواء الموقف.

المسألة هنا تتعلق بتفكيك طريقة تحويل مقطع ناقص إلى تهمة سياسية ضد جمهور كامل. فالخطاب الجزائري تجاهل كل ما يربك الرواية، واحتفظ فقط بالصورة التي تخدم التحريض. لم يكن هناك انتظار لبيان أمريكي حاسم، ولا فرز بين شجار محدود واعتداء جماعي، ولا تمييز بين أفراد محتملين وجمهور كامل. كانت هناك حاجة واضحة إلى بناء قصة ضد المغاربة، فتم استعمال اسم الطفل وسنه وقميصه لإنتاجها.

الأكثر إثارة أن هذه الحملة خرجت من المنظومة نفسها التي تحاول التغطية على سجل شغب جزائري موثق خلال البطولة. ففي نيويورك، تحولت تجمعات مشجعين جزائريين وأرجنتينيين في تايمز سكوير إلى مواجهات عنيفة استدعت تدخل الشرطة، مع تسجيل اعتقال واحد على الأقل واستدعاء بسبب الإخلال بالنظام العام. وفي قطر، أعلنت السلطات توقيف 25 شخصا بعد شجار جماعي عقب مباراة الجزائر والأردن، في واقعة وُصفت بأنها مست بالنظام العام وهددت الأشخاص والممتلكات. أما في الولايات المتحدة، فقد انتشر مقطع لمشجع جزائري وهو يتبول في مدرجات الملعب خلال البطولة، إلى جانب مشجع جزائري آخر أقدم على نفس الفعلة قبل اعتقاله من طرف عناصر الأمن الأمريكي بالملعب، في مشهد أثار موجة واسعة من الانتقادات حول سلوك بعض الجماهير الجزائرية.

وبهذا، جاءت قضية وسيم في توقيت مناسب جدا لآلة الدعاية الجزائرية. فبدل مواجهة صور الشغب في نيويورك وقطر، وفضيحة السلوك المقزز داخل الملاعب الأمريكية، جرى نقل النقاش نحو اتهام المغاربة. وبدل طرح سؤال الانفلات وسط بعض الجماهير الجزائرية، تم اختراع واجهة عاطفية عنوانها طفل جزائري تعرض، وفق الرواية الموجهة، لاعتداء من مغاربة.

هذا هو جوهر العملية. لم يكن وسيم موضوعا إنسانيا خالصا في الخطاب الجزائري، بل تحول إلى أداة سياسية. تم انتزاع الواقعة من سياقها، وتجاهل المقاطع التي تظهر مغاربة يتدخلون للمساعدة، ثم بناء سردية كاملة حول “عدوان مغربي” لا تسنده المعطيات المتداولة. وعندما تدخل تبون في الملف، لم يعد الأمر مجرد تضخيم إعلامي، بل صار دليلا على أن النظام الجزائري مستعد لتحويل أي حادث غامض إلى قضية دولة متى كان ذلك يخدم الهجوم على المغرب.

قضية وسيم لم تعد، في صورتها الحالية، تكشف ما وقع في بوسطن فقط، بل تكشف كيف تشتغل ماكينة التضليل عندما تحتاج إلى عدو جاهز. حادث محدود يتحول إلى اعتداء جماعي، مقطع ناقص يتحول إلى حكم سياسي، وطفل يحتاج إلى حماية يتحول إلى مادة لتحريض جمهور ضد جمهور آخر. لكن اللقطات التي ظهرت لاحقا أعادت الملف إلى حجمه الحقيقي، وفضحت حملة حاولت اتهام المغاربة قبل أن تثبت الوقائع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى