هشام جيراندو.. ولنا في شهود “الزور” حياة (كاريكاتير)

في تاريخ الخطابات العدمية، تتكرر ظاهرة واحدة بأشكال مختلفة: أشخاص يخلطون بين الجرأة والتهور، وبين النقد والمعاداة، فيتصورون أن الهجوم على المؤسسات، لاسيما الأمنية منها، يمكن أن يتم بالاستعاضة عن العقل بالضجيج، وعن المنهج بالادعاء، وعن الحقيقة بسردية جاهزة تبحث فقط عمن يصدقها. هذا النمط من الأفعال ليس بجديد هو قديم قِدم الإحباط نفسه، ويظهر كلما التبس على بعض الفاعلين التمييز بين التفكير النقدي بوصفه أداة للفهم، والتشويش العدمي بوصفه وسيلة للظهور.
في هذا السياق العام تندرج واقعة هشام جيراندو، لا بتعريفها كحادثة معزولة، وإنما كحلقة إضافية في سلسلة من الانهيارات المعرفية التي تتخفّى وراء خطاب “الفضح” و”كشف المستور”. ما يجعل هذه الواقعة ثقيلة الدلالة، ليس فقط بفعل تمسكه بأهداب ضابط “مخابرات” مزيف، ولا ببناء سردية حول تسريبات منسوبة إلى أمن الوطن، بل الطريقة التي انكشف بها خَواء المنهج الذي يحكم تفكيره.
هنا لم نكن أمام عملية خداع معقدة ولا أمام مؤامرة محكمة، بل أمام فخ بسيط في جوهره، نصبه رجل الأمن “المفترض” نفسه لاختبار سؤال واحد: هل يمتلك جيراندو الحد الأدنى من المسؤولية العقلية التي تؤهله للتحقق من أي معلومة قبل تحويلها إلى اتهام وسردية سياسية؟ الجواب، كما ظهر كان صادما في بساطته: لا.
من زاوية فكرية، الخطأ لا يكمن في الوقوع في فخ، فالعقل النقدي يعترف بإمكانية الخطأ، بل في الاستعداد المسبق للوقوع فيه. جيراندو لم يُجبر على تصديق التسريبات ولم يُضغط عليه لنشرها. بل تلقاها بلهفة لأن مضمونها ومصدرها “الأمني” يخدم في الصميم عدميته المسبقة تجاه الدولة ومؤسساتها. هنا يصبح الغباء ليس نقصا في الذكاء، بل خلل فيه: حين تتحول القناعة “الهشة” إلى نقطة انطلاق لا إلى نتيجة وصول راسخة، وحين يُختزل التحقق في سؤال واحد: هل يخدم هذا ما أسعى بلوغه؟
إن الاستعانة بضابط مخابرات مع ما رافق ذلك من مظهر مهني خارجي مكتمل الأركان نوعا ما (شارة مهنية، رتبة أمنية ممتازة…) ليست بتفصيل ثانوي، بل علامة على وهم عميق: وهم أن الشرعية قد تُختطف من قلب الحدث. فالعقل الكسول لا يبني حججه، بل يستعير ألقابا. لا يشتغل على الوقائع، بل يبحث عمن يُضفي على ادعاءاته قناعا “أمنيا”. لكن الباحث عن الحقيقة لا يُسقط على تفاصيلها شيء من الذاتية حتى تتبلور لصالح ما يتمناه لا ما يخشاه. إن الشك والتمحيص ثم المسائلة الذاتية لم تكن يوما “خضرا فوق طعام” بل هي نهج السائرين في درب “المعرفة الحقة” والطامحين إلى تحقيقها بما يُفيد. وحين يغيب هذا كله، يتحول “المحقق كونان” إلى ضحية رغبته الجامحة في التصديق أيا كان الثمن.
أما التسريبات الكاذبة، فهي هنا ليست خطرا على المؤسسات الأمنية المغربية بقدر ما هي اختبار لمناعة الخطاب نفسه. فالمؤسسات، بحكم تعريفها لا تُسقطها روايات مرتجلة ولا تسجيلات مشبوهة، لأنها لا تقوم على أشخاص أو أسرار معزولة، بل على قوانين وتنظيمات وتراكم تاريخي. الاعتقاد بأن مؤسسة أمنية يمكن الإطاحة بها عبر فيديوهات وسرديات غير موثقة هو تصور “صبياني” للسلطة، نابع من خيال “سايكوباتي” لا يفهم الدولة إلا بوصفها قصة لا كيان وبنيان متراص.
الفخ الذي نُصب لجيراندو كان فخ معرفي أقرب منه إلى إعلامي. لقد وُضعت أمامه مادة مُختلقة، لاختبار قدرته على التوقف، على السؤال أو حتى على الشك. لكنه لم يفعل. بل اندفع إلى البناء عليها، وكأن مجرد وجود “تسريب” يمنحه حق الإدانة. هنا يتجلى الغباء في أنقى صوره: غباء من يخلط بين الشك المنهجي، الذي يفتح أفق المعرفة والشك العدمي، الذي يهدم كل شيء دون أن يفهم شيئا.
في المحصلة، ما سقط في هذه الواقعة ليست المؤسسات الأمنية، بل سقط ادعاء المصداقية الذي يتخفّى خلف خطاب جيراندو. لقد برهن لنا رجل الأمن “الوهمي” أن الرجل لا يتحقق بل يتلقف. لا يحلل بل يكرر بنَفس ببغاوي. لا يفكر بل يؤكد ما يريد تصديقه. وهذا في ميزان الفكر، ليس معارضة ولا نقد بل عجز معرفي يتدثر بلُبوس الجرأة.
وهنا تكمن الخلاصة الثقيلة: أخطر ما في مثل هذا الخطاب ليس أنه يهاجم المؤسسات، بل أنه يسيء إلى فكرة النقد نفسها. لأنه حين يتحول النقد إلى غباء صاخب يفقد معناه، وحين تُستبدل الحقيقة بالتسريب الكاذب، يتحول “الكشف” إلى فضيحة لا للدولة، بل لمن يدّعي إسقاطها، وهو عاجز حتى عن تذكر “تاريخ ميلاده” في لحظة “غدر” لم تكتمل، فكك أركانها ضابط مخابرات مزيف برتبة “باحث مغربي” غيور على الوطن تضافرت جهوده بمعية مغاربة أحرار، على غرار اليوتوبر المغربي تحفة لتشخيص هذيان سايكوباتي هارب من العدالة المغربية.



