صحفي فرنسي: لهذه الأسباب يبقى المغرب، على عكس الجزائر، الحليف الوحيد الموثوق به من طرف فرنسا في المنطقة المغاربية”

تناول الصحافي الفرنسي هادرين ديسوين، بالشرح والتحليل جملة من الدوافع المبنية على وقائع اقتصادية وجغرافية، تجعل من المغرب الحليف الوحيد الموثوق به من قبل فرنسا في المنطقة المغاربية، بخلاف دولة الجزائر التي لم تفلح إلا في توسيع رقعة الخلافات مع شريكها الاقتصادي فرنسا.

وفي سياق متصل، اعتبر ذات المتحدث وهو خريج مدرسة سان سير العسكرية، أن فرنسا تحتاج أكثر من أي وقت مضى لشركائها المغاربيين، ولاسيما بعد انسحابها المنظم من مالي وإعادة انتشار عملية برخان في منطقة الساحل، للقضاء على التطاحنات في إفريقيا والتصدي بفعالية للجهاد العالمي.

لكن زيارة ماكرون مؤخرا للجزائر، يتابع مؤلف كتاب “La France atlantiste”، كشفت بالملموس أن مخلفات الماضي الاستعماري لا زالت قائمة، بحيث ترى فرنسا نفسها مطالبة، مقابل القليل من الغاز، بتقديم الآلاف من التأشيرات للجزائريين. وعليه، فجنرالات الجزائر يفكرون لا محالة، في الاستفادة قدر الإمكان من الانسحاب الفرنسي من مالي وأزمة الطاقة في أوروبا بغية استعادة نفوذها في باماكو وباريس.

سياق مغاربي قابل للانفجار في أي لحظة

أما عن ما تشهده المنطقة المغاربية من توترات سياسية، يعتقد هادرين ديسوين، أن الوضع ليس على ما يرام على الحدود الشرقية للجزائر، بتونس تحديدا، الدولة التي لا تأثير حقيقي لها بإفريقيا  جنوب الصحراء، بالنظر إلى التدبير المتصلب لرئيسها قيس سعيد، ما يجعل مسألة تقارب سياسي مع فرنسا أشبه بالمستحيل. وبإلقاء نظرة على ليبيا، يتبين أنها ليست أفضل حالا من جارتها تونس، بفعل الحرب الأهلية التي عمرت بها طويلا، فأصبح واقع تقسيمها مسألة وقت قصير ليس إلا.

وبناء على هذا السياق المغاربي المحفوف  بالمخاطر الجيو-سياسية، يشير ذات المتحدث، تندرج زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى المغرب، المزمع إجرائها شهر أكتوبر المقبل، بحيث كان ولا يزال المغرب الملاذ الوحيد الآمن لفرنسا في المنطقة المغاربية، يتوجب التعامل مع قضاياه الوطنية بمزيد من الحرص وتوضيح المواقف، فقد عبر عنها صراحة الملك محمد السادس خلال خطابه الأخير في 20 غشت المنصرم بالقول: “ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم”. وعليه، ففرنسا مطالبة بالاعتراف بدورها التاريخي في ملف الصحراء إن هي أرادت الحفاظ على شريكها الموثوق، يوضح الصحفي الفرنسي.

وقد أظهرت الاعترافات الأخيرة بمغربية الصحراء من قبل الولايات المتحدة الأمريكية ثم إسرائيل، أن فرنسا يمكن أن تخسر المغرب دون أن تكسب الجزائر إذا استمرت في تبنيها لموقف متناقض بشأن هذا الموضوع. ففي الآونة الأخيرة، أبدت إسبانيا وألمانيا تأييدهما لمقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب لتسيير الشأن السياسي للأقاليم الجنوبية. لذلك، أصبح واضحا أن مصلحة فرنسا تقتضي إعادة توجيه جهودها لصالح مقترح الحكم الذاتي لأقاليم جنوب المغرب، إذا أرادت الاعتماد على الرباط لإعادة بسط نفوذها غرب إفريقيا. لقد أنشأ بعض شركائنا، بما فيهم الولايات المتحدة الأمريكية قنصليات بكل من الداخلة و العيون وتسعى حكوماتهم لإنشاء مقاولات هناك. وبالرغم من أن فرنسا تعيش على تبعيتها الغازية للجزائر، إلا أن المبادلات التجارية بين فرنسا والمغرب تتجاوز بكثير تلك التي تربطنا بالجزائر، يؤكد ديسوين.

محاربة الإسلام الراديكالي

في هذه المنطقة المطلة على المحيط الأطلسي، وهي جسر استراتيجي قوي بين شمال وجنوب إفريقيا الغربية، تحافظ باريس على علاقات ممتازة مع موريتانيا، باعتبارها طرفا محايدا بشأن ملف الصحراء. والحال كذلك، يمكن لفرنسا إقناعها بالاستفادة من اتفاقية حدودية مع المغرب. مكانة فرنسا في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة تعتبر ورقة رابحة في إطار بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية، وهي بعثة الأمم المتحدة المسؤولة منذ عام 1991 عن تسهيل إجراء استفتاء حول هذه القضية.

كما أن الاعتراف بمغربية الصحراء ستلعب دورا محوريا في تعزيز التعاون الفرنسي المغربي في مجال مكافحة الفكر الجهادي. دون أن نغفل نزيف الهجرة السرية القادمة من الدول الإفريقية جنوب الصحراء، المتدفق على أوروبا عبر إسبانيا. وغير بعيد عن هذا السياق، يبقى المغرب حليف قوي في الحرب ضد الإسلاميين الراديكاليين. ففي عام 2021، تراجع إسلاميو حزب العدالة والتنمية الذين قادوا الحكومة لمدة عشر سنوات في الانتخابات العامة.

فبين الجزائر التي تتفانى الطغمة العسكرية داخلها في تشكيل هويتها الوطنية بتغذية حقدها الدفين على مستعمرها السابق وجارها المغرب، الذي ينتظر فقط إشارة من فرنسا بشأن ملف الصحراء حتى تتألق مرة أخرى في إفريقيا، لم يعد مسموحا لفرنسا بالتردد ووجب التقدم بخطى ثابتة نحو المغرب، الحليف الوحيد الموثوق به في المنطقة المغاربية، يخلص الصحافي الفرنسي هادرين ديسوين في مقاله التحليلي.

زر الذهاب إلى الأعلى