”فرنسا ماكرون” هنيئا لك على فضح نجاحات المغرب الإقتصادية والدبلوماسية والعسكرية

سبق للمارشال اليوطي أن اعترف في مذكراته، أن دخول المغرب لم ينته إلى في سنة 1936 عكس ما كان يقال 1912، مؤكدا في مذكراته أن الإمبراطورية المغربية آنذاك كانت دولة بمؤسسات وطقوس، وبالطبع لم يقل هذا عن الجزائر التي عاشت في حواشي الإمبراطورية العثمانية قبل أن تستلمها فرنسا على طبق من تراب.

و من هنا يتبين تاريخ الجزائر المتجدد، حيث خرج العسكر الفرنسي قبل ستين سنة ليعوضه عسكر تربى على قيم فرنسا الأم. ومن هنا صلت فرنسا صلاة وداع على ماض تولى دفنته هي و حلفاؤها من الداخل في جبال الاوراس. و ظلت وفية لمصالحها في الجزائر وفي أفريقيا ودافعت بشراسة لكي يظل أذنابها تحت سيطرتها و في الصفوف الأمامية لحماية موقعها. فرنسا حقوق الإنسان نسيت الإنسان وتشبتت بمصلحة مصانعها و مصلحة أصحاب الرساميل المتحكمين في القرار السياسي و العسكري بل وحتى التمويلي لبعض ” المناضلين الحقوقيين” الذين يظنون أن الغرب حليف دائم و مدمن على الوفاء لمساندي رسالاته.

من جانب آخر، نتذكر من نعته كاتب الدولة الأمريكي السابق رامسفيلد، إبان حرب الخليج بالقديم خلال الحرب ضد العراق، لا زال يترنح وأصبح عديم الجدوى في أفريقيا. فرنسا أسوأ حليف أو مستعمر سابق يمكن أن يعول عليه. فرنسا تريد النعمة و سب الملة. فرنسا تتكلم كثيرا عن برامج التنمية و تنزعج من كل نجاح يحققه أي بلد افريقي ، و خصوصا المغرب ، لاستغلال موارده الطبيعية و المؤسساتية و البشرية في تغيير منهج وأسلوب تنميته. الإزعاج الذي أحدثه التفكير في نموذج تنموي جديد لدى الدبلوماسية الفرنسية خير دليل على أن المهم هو أن يعم الفقر المدقع كل أفريقيا لكي تظهر كالملاك في لحظات العسر.

يوم زار الملك محمد السادس عشرات الدول الأفريقية وخاطب إخوانه بصدق، حيث قال أن التعاون الذي لا يبنى على مبدأ “رابح-رابح ” غير مقبول. مؤكدا أن ما هو أخطر بكثير على مصالح غرب تسكنه روح امبريالية يغلفها خطاب حول الحريات و حقوق الإنسان. قال أن الأفريقي يجب أن يثق في الأفريقي. و هذا ما ازعج المخابرات الأجنبية و على رأسها من لا يزال وفيا للفكر الإستعماري.

ففي وسائل التواصل الاجتماعي، تم تسريب رسائل قيل أنها كانت موجهة إلى رئيس فرنسا ماكرون من مخابراته الخارجية. أكدت هذه المهاترات أن افتعال مشكلة التأشيرات فشلت. و طلبت من فخامة الرئيس المرور إلى مرحلة أكبر و أقسى و أخطر للدفع بالمغرب إلى الاذعان. رئيس هذه المخابرات قد يكون قد اقترح كل شيء يمكن من اضعاف قرار المغرب إلا الهجوم النووي. وصلت درجة الخبث في اقتراحات مدير المخابرات الفرنسية المفترضة إلى حد فضح المسؤولين المغاربة ذوي الحسابات و الممتلكات بفرنسا إلى أن هذا الفضح قد يؤدي إلى احداث فوضى بالمغرب. و هذا يدل أن فرنسا تتستر على المجرمين منذ زمان و أن تحريكها لملفات فساد مالي و أخلاقي لا هدف له إلا احداث فوضى و زعزعة استقرار المغرب.

وقد ينقلب السحر على الساحر. القانون الفرنسي واضح في موضوع تبييض الأموال و المؤسسات الأوروبية تفرض على جميع اعضاءها الإلتزام بمبدأ الشفافية. و كل مغربي حر لا يريد من كل دول العالم إلا فضح المفسدين و عدم التستر عليهم. وسياسة التستر التي تتبناها فرنسا على جنرالاتها بالجزائر عقيدة متجذرة. أما ما يتعلق بالتصوير للقاءات حميمية لمسؤولين فهذا لا يهم المواطن المغربي. و قد تكون مخابرات فرنسا تغذي خطاب الحركات الاسلاماوية بصور أو أفلام فضائحية لا علاقة لها بالعلمانية كدستور للدولة و سلوك لا زال المجتمع لم يجمع عليه.

هذه ”التسريبات الخطيرة” التي أخذت شكل توصيات مفترضة للرئيس تبين درجة الخذلان التي تبنى عليها القرارات الفرنسية. خطير جدا أن تعتبر فرنسا أمريكا و إسبانيا و ألمانيا و إسرائيل عدوة لمصالحها. تقول الرسائل المخابراتية أن التسهيلات التي كانت تحصل عليها فرنسا بالمغرب أصبحت في خبر كان، و تزيد بأن افتعال مشكل التأشيرات لم تكن له آثار على موقف المغرب. أتذكر قصة المخابرات السوفياتية مع الرئيس سوكارنو، رئيس إندونيسيا السابق، الذي قال بعد أن تمعن في الصور التي قدمها إليه مسؤول الكيجيبي و التي تظهره و هو يمارس الجنس مع عميلات سوفياتيات، سأكون سعيدا و أنا أظهر هذه الصور إلى شعبي الذي سيفتخر بمستوى فحولتي. و تراجعت المخابرات ولكنه ذكر ما تعرض له من ابتزاز من جراء مساهمته في قيادة حركة عدم الانحياز.

وتحاول ”فرنسا ماكرون” أن تخفي المغرب من افريقيا و أن نعلن التوبة على تحريضنا للاعتماد على النفس و على ضرورة التضامن الافريقي لإنتاج الثروة و تثمينها. فرنسا ماكرون كما كانت فرنسا ميتران و شيراك و ساركوزي و هولاند تريد أن تسطو على سوق صفقاتنا بأسعار تتجاوز كل المعايير التي تنظم الصفقات بفرنسا. القطار السريع بين مراكش و أكادير يسيل لعاب ممولي الحملات الانتخابية و والذين لا يعيرون أي إهتمام لأسعار المنافسة. أعدائنا الحقيقيون هم من يعبرون لنا عن حبهم لبلادنا و بالخصوص لمطبخها و فنادقها و كرم أهلها. لكن حين يرون أن القرار السيادي يتوجه إلى الفاعلية و الدفاع عن المصالح الوطنية يكشرون عن انيابهم الامبريالية بكل وضوح.

الغريب أنه عندما نكتشف ما تم تداوله في هذه الرسائل مخابراتية الموجهة إلى ماكرون ونعبر عن كرهنا لأسلوبها و مضمونها، نتمنى أن تصل الجرأة إلى فضح كل من تلاعب بمصالح الشعب المغربي. القانون يحرم أي تملك لحسابات أو عقارات أو سندات أو حصص في رأسمال على أي مغربي مقيم بالمغرب كما يعرفه القانون و قواعد المحاسبة الوطنية. أن تهدد فرنسا بكشف الحسابات و الممتلكات لبعض الشخصيات المهمة فهذا شيء جميل و يحمل خدمة لإقتصاد المغرب. وهو في نفس الوقت مؤشر على عدم امتثال فرنسا لقواعد الشفافية المالية التي فرضت لمحاربة تبييض الأموال و تنشيف كل مصادر تمويل الإرهاب.

الأكيد أن فرنسا لن تقدر على خلق جو الفوضى بالمغرب. ولعلمها فالتظاهرات ذات الأبعاد المطلبية أو تلك التي تعارض الاختيارات الرسمية تعد بالمئات سنويا. المغرب كغيره من الدول يعيش على إيقاع الحركات الإجتماعية. و لقد حاولت بعض المصالح الخارجية أن تغذي أحداثا في الشمال الشرقي للمغرب و لم تنجع و إنتهى بها المطاف إلى اعتقال من كانوا وراءها من تجار المخدرات.

فشكرا لمخابرات فرنسا على فضح نجاحات المغرب الإقتصادية و الدبلوماسية و العسكرية. أما زعزعة المجتمع و تسخير العملاء لكتابة التقارير حول حقوق الإنسان فلن يجدي نفعا. لا تظنوا أن المواطن المغربي و الجمعيات المهتمة بحقوق الإنسان غافلة عما تفعلون.

هذه الجمعيات المواطنة و المعارضة وذات الخطاب المشروع لا تسعى وراء تمويل و لا تريد غير محاربة الرشوة و الدفاع عن حقوق الإنسان. لا تشتغل داءما في ظروف مواتية و لكنها تظل صامدة. أما اؤلئك الذين يكتبون التقارير مقابل أموال و أسفار و حضور مؤتمرات فأتمنى أن يصلوا إلى التفريق بين أهداف جمعياتهم الوطنية و أهداف تخفي الامبريالية الجديدة صاحبة مشروع قتل كل محاولة للإصلاح الحقيقي.

وللمتابعين للعلاقات الثنائية مع فرنسا نسوق تلك التحفة اللغوية التي ارتجلها الراحل الحسن الثاني حين قال بعد لقاءه بالرئيس الفرنسي أنه جاء للاستماع إلى نصائح الأصدقاء و أن الأسلحة موجودة في كل الأسواق. الكل يعرف أن فرنسا لم تعد تحتل مكانا في الطلب على اسلحتها. و لنا في تراجع أستراليا عن صفقة غواصات فرنسية وصلت قيمتها ما يزيد عن 60 مليار يورو عن موقع باريس في سوق الأسلحة.

أما التهديد و الوعيد والنصيحة المسداة إلى ماكرون لكي يمر إلى السرعة القصوى للحد من طموح المغرب في مجاله الإقليمي و السعي إلى دفع الدول الأوروبية إلى عدم الإعتراف بمغربية الصحراء أو اعتبار مقترح الحكم الذاتي ذا مصداقية و جدية ، فهذا يبين بشكل واضح أن فرنسا ليست حليفة لنا و أنها تسعى إلى خلق التوترات بالمغرب الكبير و الحفاظ على مصالحها فيه. و لعل جواب ماكرون على سؤال العلاقة مع المغرب و تسرعه في تحديد تاريخ زيارته فيه كثير من الجهل أو الاستهزاء المقصود بالأعراف الدبلوماسية. كثير من المواطنين المغاربة ندموا على تسجيل أبنائهم في المدارس الفرنسية بعد أن صدموا برفض تأشيرة من أجل الدراسة. شكرا ماكرون لأنك ستجعل الإقبال على التعليم الفرنسي في تراجع. وستحد من توسع عرض المؤسسات المرخص لها من فرنسا وانهاك جيب المواطن الحريص على نجاح أولاده. و بالطبع لا يمكن السكوت عما أصاب المدرسة المغربية من آفات بيداغوجية و ضعف تربوي و تردي مستوى التأطير.

لم تعد ”فرنسا ماكرون” ذلك النموذج الذي وعد به ميتيران الاشتراكي و المناضل من أجل الديمقراطية. بعده رجعت الأمور إلى المنطق التبعي و فرض الصفقات مقابل دعم سياسي أو استقرار داخلي. و لقد جاء الوقت لقطع الحبل السري مع فرنسا و تنظيم العلاقات على أسس جديدة و متساوية.

زر الذهاب إلى الأعلى