في بوحه الخاص بيوم الأحد، أبو وائل الريفي يكتب: سقطة منظمة العفو الدولية في أوكرانيا تفضح ما تبقى من المستور

تستمر فضائح أمنستي في التناسل لتنكشف معها حقيقة التناقضات التي تنخر هذه المنظمة التي تنصب نفسها رقيبا حقوقيا على دول دون أخرى، وتلعب بالمقابل دور الذراع الضاربة التي يبطش بها بعض ذوي النفوذ على الدول التي ترفض الخضوع والانصياع لرغبات القوى الخفية التي تحرك هذه المنظمة ومثيلاتها.

نتذكر فضيحة انتشار العنصرية داخل دواليب أمنستي التي فجرها السنة الماضية موظفون بها فضحوا العنصرية المنتشرة داخل أروقتها من خلال التمييز بين الموظفين البيض والسود وعرضوا حينها تجاربهم المريرة في تقرير وجد طريقه للنشر في الغارديان بعدما أصدروا بيانا دعوا فيه المسؤولين الكبار إلى الاستقالة. وها قد مر أزيد من عام على هذه الفضيحة، فماذا كانت النتيجة؟ هل أعطت أمنستي القدوة من نفسها وحققت في هذه الممارسات المنافية لحقوق الإنسان؟ هل اعتذرت رسميا على هذه الكبائر الحقوقية التي لا يفوقها إلا القتل؟ هل انتصرت لمبدأ عدم الإفلات من العقاب الذي تواجه به الغير؟ لا شيء من ذلك حصل تماما مما يجعل ما ترفعه المنظمة من أهداف هو مجرد شعارات لجلب المزيد من أموال الدعم والتبرعات وكسب مصداقية وتأثير لدى مراكز النفوذ حتى تعرض خدماتها الخبيثة بأثمان مرتفعة.

نتذكر كذلك فضيحة قبلها بالهند سنة 2020 مرتبطة بالتدبير المالي للمنظمة، حيث جمدت السلطات الهندية الحسابات البنكية لأمنستي وعلقت كل أنشطتها بسبب نقلها لأموال من المملكة المتحدة بطريقة غير قانونية رغم تحذيرات متكررة من السلطات الهندية. وربما بسبب هذه القضية نفهم سر تبني هذه المنظمة لملف المعيطي فهي لا تعترف بتهمة تبييض الأموال ونقلها بطرق احتيالية.

ومن الفضائح التي تسربت عن هذه المنظمة كذلك الرواتب السمينة التي يتقاضاها مسؤولوها الذين يُظهرون للعامة أنهم مناضلون متطوعون فقط بينما هم أجراء سامون بمرتبات مغرية تجعلهم يتمسكون بمناصبهم حفاظا على ريع ذوي النفوذ ولو اقتضى ذلك خدمة أجندات غير حقوقية وبيع ذممهم لمن يدفع أكثر، وهو ما جعلها شبكة مصالح عابرة للقارات تميل مع ريح التمويل حيثما مالت وتخضع لمن يدفع أكبر لأن “مناضليها” ألفوا التعويضات السخية.

من الفضائح الحديثة لأمنستي التقريرُ الذي صدر الأسبوع الماضي عن الحرب الأوكرانية الروسية، وقد حاولت من خلال فقراته إضفاء شرعية على جرائم روسيا في أوكرانيا مقابل اتهام القوات الأوكرانية بتعريض حياة المدنيين للخطر عبر نشر بنى تحتية عسكرية في مناطق آهلة بالسكان ومنها المستشفيات والمدارس؛ وهو ما جعل وزير الخارجية الأوكراني دميترو كوليبا يعبر عن غضبه من الاتهامات “غير العادلة” لأمنستي لأنها “توازن بشكل خاطئ بين الظالم والضحية”.

ما كان لهذه الخلاصة أن تمر مرور الكرام وطرفا النزاع دولتان غربيتان مسنودتان بقوى غير عادية، وخاصة أوكرانيا التي تحظى بدعم غربي كبير. والمعروف عن أمنستي تحيزها الكبير للدول الغربية ذات النفوذ. والسؤال الذي تصعب الإجابة عنه هو من أين استقت أمنستي معلوماتها شديدة السرية لتصل إلى تلك الخلاصات مع العلم أن فرع المنظمة بأوكرانيا تبرأ من هذا التقرير ولم يتفق مع خلاصاته، وهو ما تجلى في استقالة احتجاجية لمسؤولة المنظمة بأوكرانيا أوكسانا بوكالتشوك التي اعتبرت التقرير يخدم الدعاية الإعلامية الروسية.

بدخولها على خط هذه الحرب بدون امتلاك أدوات التحقق والتحقيق، تنصب أمنستي نفسها طرفا يباشر التحقيق بشكل غير موفق ومتحيز ولا علاقة له بالعمل الحقوقي ودون التوفر على الأدوات اللازمة لذلك في حرب طاحنة أهم سلاح فيها هو الدعاية، ويلزم الحذر الشديد قبل نقل أخبار كل طرف منها ضد الآخر. والسؤال الذي تتهرب أمنستي من الإجابة عنه دائما هو مصداقية مصادرها التي تستقي منها معلومات ذات طبيعة سرية يصعب التوصل إليها ويصعب تصديقها بسهولة ودون تمحيص لأن الحرب الدعائية بين الروس والأوكران هي السمة الغالبة على هذه الحرب.

هل قبلت أوكرانيا مضامين التقرير؟ وهل استسلمت لأجندة واضعي فقراته وخلاصاته؟ وهل لامها أحد على إبدائها الرفض ومحاججتها لأمنستي؟ لماذا لم تقم الدنيا وتقعد من طرف الإعلام إياه النشيطِ ضد دول دون أخرى وبمعايير غير منطقية؟ لماذا لم تطلق حملة ضد أوكرانيا لاعتراضها على هذا التقرير وتصفها أمنستي والإعلام الموالي لها بمعاداة حقوق الإنسان والتضييق على النشطاء الحقوقيين وغيرهما من التهم الجاهزة ضد الدول الأخرى؟ وماذا كان رد فعل أمنستي تجاه هذه الفضيحة؟

كعادتها، وعند أول اختبار حقيقي، لجأت أمنستي إلى الجواب الجاهز وهو أنها اتصلت بمسؤولي وزارة الدفاع الأوكرانية بشأن النتائج التي توصلت إليها، خمسة أيام فقط ولكنها لم تتلق ردا في الوقت المناسب قبل إصدار تقريرها. لنركز على عبارة “لم تتلق الرد في الوقت المناسب” وهي العبارة التي تعبر أن المنظمة تشترط على دولة ذات سيادة توقيتا للرد وأنها حددت مسبقا تاريخ إصدار التقرير مما يجعلها في نهاية المطاف في حاجة فقط إلى إضفاء طابع الموضوعية والمصداقية على خلاصات موضوعة سلفا بدون الحاجة إلى الرأي الآخر.

هذا هو الأسلوب المفضل لأمنستي دائما والذي تمارس به المراوغة والهجوم و”تخراج العينين” لتخبئ أخطاءها المهنية الجسيمة وتتستر على تحيزها السافر وتغطي على الطابع المسيس لخلاصات تقاريرها التي تريدها أن تكون سوطا لمعاقبة الدول غير المرضي عليها وخدمة لمن يدفع أكثر.

هنا أتذكر قصة أمنستي مع المغرب الذي كان من أوائل الدول التي رسخت لمبدأ عدم الخضوع لضغوط هذه المنظمات ومواجهة أكاذيبها بالدليل والحجة مما أفقد هذه المنظمة صوابها وألجأها إلى المراوغة أولا ثم الكذب في نهاية الأمر. ادعت حينها أمنستي أنها راسلت المسؤولين المغاربة وحين واجهها المغرب بالحقيقة وطالبها ببعث نماذج لتلك المراسلات اتضح أنها كانت رسائل لحسابات بريد إلكتروني من حساب مجهول وإلى حسابات غير مفعلة أو لمسؤولين سابقين، وهو ما فضح كذب مسؤولي المنظمة على المغرب وإرادتهم المسبقة في عدم التوصل بردود رسمية من المغرب لأنها وضعت مسبقا المغرب في خانة الاتهام بدون أدلة وليس من مصلحتها التواصل الرسمي مع المغرب لمعرفة ردوده.

الدليل الثاني ضد هذه المنظمة هو تماطلها وعجزها إلى يومنا هذا عن الرد على مراسلات المغرب والإجابة عن أسئلته، وعدم قدرتها على نشر الأدلة العلمية التي بنت عليها اتهامها للمغرب باستعمال برمجية بيغاسوس ضد مغاربة وأجانب كما ادعت زورا وبهتانا.

يحسب للمغرب أنه كان الدولة التي امتلكت الشجاعة لمواجهة أباطيل أمنستي وافتراءاتها بمنهجية حقوقية ومقاربة علمية وبشكل رسمي، وأفحمت هذه المنظمة وأحرجت قيادتها في لندن ووضعتها في وضع دفاعي كشف أنها تتستر عن قيادتها في شمال إفريقيا رغم علمها بتحيزها وتقصيرها واستهدافها للمغرب بدون أدلة علمية.

يحسب للمغرب كذلك أنه البلد الذي انتصر لسيادته واشترط التعامل بالمثل مع هذه المنظمات حيث أوقف تعامله معها حتى تثبت حيادها ونزاهتها. لم يلجأ المغرب إلى أسلوب تجميد نشاطها مطلقا لأنه مؤمن بدور منظمات المجتمع المدني الحقوقية وفعالية نشاطها والحاجة إليها كمنظمات مستقلة في الترافع والمراقبة والاقتراح، ولكنه لم يعطها شيكا على بياض ولم ينصبها ملاكا حقوقيا لا يخطئ التقدير والحسابات. والحمد لله أن هذا الأسلوب بدأ ينتشر كثيرا في الآونة الأخيرة بين الدول التي لم تعد تسلم بشكل مطلق لتقارير هذه المنظمات بعدما اكتشفت دول كثيرة خضوعها لتأثير حسابات سياسية واصطفافات إيديولوجية ودفاعها عن بيادق عميلة لها ولمشغليها داخل دولها تتبناهم أمنستي وتريد أن تضعهم فوق القانون والقضاء وتدفع عنهم كل متابعة رغم ارتكابهم لجرائم يعاقب عليها القانون بأشد العقوبات ورغم وجود الأدلة المادية الدامغة ضدهم.

سقطة أمنستي في أوكرانيا فرصة أخرى فتحت أعين الكثيرين على حقيقة هذه المنظمة وشبيهاتها، ولذلك تحركت العرائض المطالبة بإقالة المسؤولة الأولى لأمنستي الفرنسية أنييس كالامار. وهذا الضغط مناسبة لأمنستي وغيرها لتعيد حساباتها وتراجع طريقة اشتغالها وتنضبط للطابع الحقوقي لتخصصها وتلتزم مبدأي الحياد والاستقلالية اللازمين لها وتبتعد عن خدمة أجندات من يدفع أكثر ومنطق تصفية الحسابات مع من لا يتجاوب مع أجنداتها ويحرص على تطبيق القانون ضد بيادقها.

الآن بعد أن كشفت الصحافة الإسرائيلية أن شركة ” NSO ” لها 22 زبونا داخل الإتحاد الأوروبي و أن ثلاثة دول داخل الإتحاد الأوروبي على الأقل في مقدمتها فرنسا و ألمانيا و إيطاليا لها برمجيات تجسس منافسة لبرمجية بيغاسوس، هل تحرك منبر واحد داخل الإتحاد الأوروبي من أجل نقل الخبر على الأقل؟ هل تحركت “أمنيستي” التي قادت حملة ظالمة ضد المغرب بناءا على معطيات كاذبة؟

لم يتحرك أحد، الجميع لاذ بالصمت و ٱختار التجاهل، أين هي “لوموند” و “ليبيراسيون” و “ليمانيتي” و “لوفيغارو” و باقي المنابر التي تحركت في يوم واحد للترويج للأكاذيب من أجل ٱاستهداف المغرب و تحرك معها كل الطوابرية من أجل إضعاف البلد.

لقد تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وتأكد أن المغرب كان على حق عندما اختار المواجهة مع الحملة الكاذبة التي سعت يائسة من أجل تركيعه.

فتحية للرجال و كل الشرفاء الذين صمدوا في وجه أدوات لعبة الأمم و لم يتنازلوا عن مصالح المغرب.

يحسب للسلطات المغربية أنها واجهت افتراءات أمنستي في ذلك الصيف الحار بدون مساندة المسؤول الخالد والتاريخي لأمنستي بالمغرب الذي سجل عليه التاريخ أنه لم ينتصر لوطنه رغم علمه بعدم وجود أدلة حقيقية للإدانة. على هذا المسؤول اليوم وغيره من المنتسبين للحقل الحقوقي الاتعاظ بمسؤولة فرع أمنستي بأوكرانيا التي انتصرت لوطنها واستطاعت في لحظة الحسم الانتصار لمواطنتها على العمل الحقوقي الملتبس والغامض والغارق في الحسابات السياسية بينما كان يمكنها تفضيل وضعها الاعتباري وتعويضاتها السمينة.

عندما يحدق الخطر بالوطن وتمس سمعته وتتكالب عليه قوى الشر يصبح الاصطفاف مع الوطن أولى من حسابات الاعتراض على سياسات مهما كانت درجة الاختلاف معها، وهذا ما انتصرت له المسؤولة الأوكرانية التي نتمنى أن تبوح مستقبلا بكل ما تعرف من تفاصيل عن هذه المنظمة وطرق اشتغالها ومدى إشراكها في ذلك التقرير عن أوكرانيا لأن أسلوب المنظمة في هذا النوع من التقارير هو تجاهل أصحاب البيت وذوي الخبرة بتفاصيله وترسل من الخارج موظفين مسلحين بخلاصات وتوجيهات معدة سلفا ليبحثوا عما يعززها من وقائع ميدانية، ولذلك تتسم كل تقاريرهم بالانتقائية والتجزيء والانتقام.

لقد أصبحت هذه المنظمات بعيدة عن العمل الحقوقي وجزءا من خطة تخريب وإضعاف الدول وضرب الاستقرار ونشر الفوضى الخلاقة لتيسير ابتزازها وإخضاعها واستباحة مقدراتها، وصارت تلطخ سمعة الحقوقيين والمنظمات الحقوقية المستقلة، وأكبر همها هو جلب التبرعات لتغطية المصاريف والأجور الباهظة التي تسير بها. والأولى لهذه المنظمات العودة للعمل التطوعي ولما يميز منظمات المجتمع المدني لأنها أفرطت في الطابع التجاري والسياسي بما يصنفها في خانة الشركات العابرة للقارات أو مافيات الاتجار بحقوق الإنسان التي تشبك علاقاتها مع مثيلاتها في الإعلام والسياسة لتشكل لوبيا ضاغطا على كل من يأبى الخضوع لأجنداتها.

زر الذهاب إلى الأعلى