فؤاد عبد المومني والجهل المركب بالقانون الدستوري

بقلم : سليم البقالي Observateur
في تدوينته حول دلالة عبارة “التعليمات الملكية” في بلاغ الديوان الملكي، أكد الشيخ المتصابي فؤاد عبد المومني أنه يعاني من جهل مركب بالقانون الدستوري، لأنه سقط في فخ قراءة شديدة السطحية والانتقائية للوثيقة الدستورية لسنة 2011، وعجز عن التمييز بين الوسائل القانونية الصرفة لإصدار القرارات كالظهائر وبين التوجيهات السياسية والإستراتيجية الموكولة لرئيس الدولة، مما جعل طرحه مجرد انطباعات سياسوية تفتقد لأبسط القواعد العلمية المؤطرة للهندسة الدستورية المغربية، التي تميز بين النص الدستوري الصريح والممارسة العرفية المستقرة.
مغالطة التعليمات منافية للدستور لأن صلاحيات الملك محددة حصراً بالظهائر
الدستور المغربي لم يحصر أدوار الملك في “الظهائر المكتوبة” فقط عند قيامه بمهام التوجيه والتأطير الإستراتيجي، فالفصل 42 من الدستور يحدد ان الملك هو “رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها… والحكم الأسمى بين مؤسساتها”. و صفة “الحكم الأسمى بين المؤسسات” والسهر على “احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية” تعطي للملك الصلاحية السياسية لتوجيه تعليمات وتنبيهات للسلطة التنفيذية والمؤسسات الأخرى إذا رأى تباطؤاً أو حاجة لتسريع ملفات إستراتيجية، كالأمن المائي، التغطية الصحية، أو الاستثمارات الكبرى.
و فيما يخص الظهائر المذكورة في الفصول (41) ، (47)، (50)، (51) و (59) فهي أدوات قانونية لإصدار قرارات ذات أثر قانوني مباشر وملزم للقضاء والمواطنين، مثل تعيين الحكومة، حل البرلمان و إصدار القوانين، أما “التعليمات” أو “التوجيهات” الملكية الصادرة في البلاغات الرسمية، فهي تندرج ضمن السياسة الإستراتيجية للدولة وتخاطب السلطة التنفيذية أي الحكومة بصفتها المسؤولة عن تنزيل السياسات العامة.
و في القانون الدستوري المغربي، تشكل “الخطب الملكية” و”بلاغات الديوان الملكي” مصدراً رسمياً للتوجيهات والتعليمات الإستراتيجية، وتعتبرها الحكومة مرجعية لبرامجها، وهو عرف دستوري مستقر لا يلغي النص الدستوري بل يكمله بما يضمن السير العادي المؤسسات.
مغالطة استعمال بلاغات الديوان الملكي لكلمة تعليمات هو سابقة
استخدام عبارة “التعليمات الملكية” في البلاغات الصادرة عن الديوان الملكي ليس أمراً جديداً أو طارئاً كما ادعى عبد المومني، بل هو مصطلح مستخدم في مجالات محددة وحيوية، مثل إرسال المساعدات الإنسانية، إطلاق حملات طبية، مواجهة كوارث طبيعية، أو توجيه الحكومة لإعداد مشاريع قوانين معينة.
البلاغات الرسمية لم تكن قط تقتصر على كلمة “توجيهات”، والقول بأن هذا ترسيم جديد لانزلاق مزعوم هو قراءة تقفز على أرشيف البلاغات الرسمية للديوان الملكي طيلة العقود الماضية.
مغالطة التعليمات تقتضي تفاصيل تقنية وإجرائية دقيقة
هنا يقع عبد المومني في خلط المفهوم الإداري بالسياسي و المستوى الإستراتيجي بالتنفيذي، لأنه لا يمكن مقارنة “التعليمات الإدارية” التي يصدرها رئيس مصلحة لموظفيه والتي تتطلب مؤشرات وجدولة زمنية دقيقة، وبين “التعليمات أو التوجيهات الملكية السامية” التي تصدر من أعلى سلطة في الدولة. من جهة أخرى، الملك يحدد الأولويات الكبرى والأهداف الإستراتيجية، بينما تقع مسؤولية هندسة هذه التوجيهات، وضع مؤشرات النجاح، الجدولة الزمنية، آليات المراقبة والمحاسبة على عاتق الحكومة والوزراء المعنيين، و ذلك بموجب الفصل (92) من الدستور حول مجلس الحكومة والفصل (93) فيما يخص مسؤولية الوزراء. بالتالي، عدم خوض البلاغ في التفاصيل التقنية هو احترام دقيق لاختصاصات الحكومة التنفيذية وليس عيباً في البلاغ.
محاولة فؤاد عبد المومني تصوير استعمال مصطلح “التعليمات الملكية” كأنه “خرق للدستور” هي قراءة سياسوية تفتقر للنضج القانوني، فالدستور المغربي يفصل بوضوح بين التوجيهات الإستراتيجية العليا الموكولة للملك، وبين التدبير التنفيذي للحكومة. وتظل بلاغات الديوان الملكي أداة دستورية وعرفية مستقرة لقيادة البلاد، بعيداً عن القراءات المجتزأة التي تحاول افتعال صدام وهمي بين المؤسسات.




