المغرب يرد بقوة ويستثمر مآلات الفيتو الروسي لفتح أفق إنهاء المينورسو والجزائر تواجه مأزقا استراتيجيا

في واحدة من أكثر المفارقات إثارة في تاريخ النزاع حول الصحراء المغربية، قد تكون موسكو، وهي تتحرك لإسقاط المشروع الأمريكي داخل مجلس الأمن، قد فتحت من حيث لا تحتسب نافذة دبلوماسية لم تكن الرباط بحاجة إلى طلبها. فبينما كان الهدف الروسي هو تعطيل مشروع واشنطن والحفاظ على الصيغة التقليدية لبعثة المينورسو، انتهت المواجهة بسقوط المشروعين معا، دون صدور قرار جديد يمدد ولاية البعثة، في تطور يطرح سؤالا جوهريا: هل تحول الفيتو الروسي من أداة للدفاع عن الوضع القائم إلى عامل ساهم في وضعه أمام أكبر اختبار منذ تأسيس المينورسو قبل 35 سنة؟

إن قراءة ما جرى يوم 30 أكتوبر 2026 لا ينبغي أن تتوقف عند تفاصيل التصويت، ولا عند عدد الدول التي أيدت هذا المشروع أو ذاك، بل يجب أن تتجه إلى ما وراء المشهد، حيث تتقاطع الحسابات الأمريكية والروسية مع الرؤية المغربية لمستقبل القضية الوطنية. فموسكو استخدمت حق “الفيتو” لإسقاط مشروع أمريكي كان يتجه نحو اعتماد مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساسا للمفاوضات، وإعادة النظر في تسمية البعثة وطبيعة مهامها. وفي المقابل، طرحت مشروعا يحافظ على الصيغة الحالية للمينورسو ويمدد ولايتها إلى غاية 31 أكتوبر 2027.

غير أن المفارقة تكمن في أن واشنطن أيضا ردت بالفيتو على المشروع الروسي، لتجد الأمم المتحدة نفسها دون قرار جديد بشأن الولاية. وهنا بالضبط تظهر النتيجة غير المتوقعة للمواجهة روسيا أرادت حماية المينورسو من التحول الذي اقترحته الولايات المتحدة، لكن تصادم الفيتوين حال دون اعتماد أي من الصيغتين، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الغموض المؤسساتي بشأن مستقبل البعثة.

وفي خضم هذه التفاعلات، يبرز التواصل الدبلوماسي المغربي، ومنه اتصال ناصر بوريطة بسيرغي لافروف يوم 23 أكتوبر، باعتباره تعبيرا عن يقظة الرباط ومواكبتها المباشرة للمواقف الدولية. وقد جاءت سرعة الموقف الملكي ووضوحه لتؤكد قدرة المغرب على الإمساك بزمام المبادرة، وتحديد خياراته السيادية في التوقيت المناسب، بما يخدم مصالحه العليا ويفتح آفاقا جديدة لقضيته الوطنية.

وقد ترجم البلاغ الملكي الصادر عقب جلسة مجلس الأمن هذه المبادرة إلى موقف استراتيجي واضح، باعتبار عدم تمديد ولاية المينورسو خطوة ذات دلالة كبرى في اتجاه الطي النهائي لملف الصحراء المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة. ومن خلال الحديث عن إنهاء وجود البعثة وطواقمها ومعداتها بالأقاليم الجنوبية، ووضع حد للاجتماعات الدورية لمجلس الأمن وتقارير الأمين العام وإحاطات مبعوثه الشخصي، حدد المغرب بحزم وثقة تصوره للمرحلة المقبلة.

إن هذا التحديد في مضامين البلاغ الملكي يستحق قراءة متأنية فالمغرب لا يتحدث فقط عن مصير بعثة أممية، وإنما عن نهاية مرحلة كاملة من تدبير النزاع، والانتقال إلى مقاربة جديدة تستند إلى مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. كما أن الإشارة إلى دعم أكثر من ثلثي أعضاء الأمم المتحدة لهذه المبادرة تعكس حجم التراكم الدبلوماسي الذي وصلت إليه المملكة، بقيادة الملك محمد السادس، عبر توسيع شبكة الاعتراف والدعم على المستويين الثنائي والإقليمي.

أما الجزائر، فتجد نفسها أمام مفارقة سياسية يصعب تجاهلها. فقد راهنت طويلا على الموقف الروسي باعتباره ضمانة لاستمرار التوازنات التقليدية داخل مجلس الأمن، لكن تطورات الجلسة كشفت أن موسكو تتحرك وفق حساباتها الخاصة، وليس وفق الأولويات الجزائرية. فروسيا تخوض صراعاً دولياً أوسع مع واشنطن، وتوظف الملفات الإقليمية ضمن مصالحها الاستراتيجية، ولا يمكن اختزال مواقفها في كونها دعماً دائماً للطرح الجزائري.

وإذا كانت الجزائر قد اعتبرت الفيتو الروسي مكسبا لموقفها، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ماذا بعد الفيتو؟ لا قرار جديد بتمديد الولاية، ولا ضمانة لاستمرار الوضع المؤسساتي السابق، ولا قدرة على إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. والأكثر إحراجاً أن المشروع الأمريكي الذي أسقطته موسكو كان يتضمن تعديلات جوهرية على مرجعية البعثة، فيما انتهت المواجهة إلى فتح نقاش أوسع حول مستقبلها. وهكذا تجد الجزائر نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم رهانها على حليف لا يتعامل مع ملف الصحراء باعتباره أولوية جزائرية، بل باعتباره جزءاً من حساباته الدولية.

إن الحديث عن خدمة روسية للمغرب لا يعني أن موسكو غيرت موقفها من قضية الصحراء المغربية، أو أنها تعمدت تقديم هدية للرباط. المقصود هو المفارقة السياسية التي أفرزها تصادم المصالح بين القوتين الدائمتين قرار روسي هدفه تعطيل التوجه الأمريكي، لكن نتيجته العملية كانت عدم اعتماد تمديد جديد للبعثة، وهو التطور الذي وضعه البلاغ الملكي في سياق التحول الاستراتيجي الذي يطمح إليه المغرب.

ومع ذلك، ينبغي التمييز بين عدم اعتماد قرار جديد وبين الإنهاء القانوني الفوري لوجود المينورسو؛ فذلك يظل مرتبطاً بالوضع القانوني والترتيبات الأممية ذات الصلة، كما أن سقوط مشروعي القرار لا يعني تلقائيا تغيير الوضع الميداني للمناطق العازلة أو إلغاء التزامات وقف إطلاق النار.

ما تكشفه هذه المحطة، في نهاية المطاف، هو أن المعركة لم تعد فقط حول تمديد ولاية بعثة أممية، بل حول المرجعية التي ستؤطر مستقبل النزاع. روسيا دافعت عن الصيغة التقليدية، والولايات المتحدة دفعت نحو إعادة تشكيلها، بينما يعلن المغرب، عبر موقف ملكي واضح، أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تتجاوز منطق إدارة النزاع إلى البحث عن تسوية تستند إلى الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

قد لا تكون موسكو قد قصدت تقديم خدمة للرباط، لكن السياسة الدولية لا تقاس بالنوايا وحدها، بل أيضا بالنتائج. وفي هذه الحالة، قد يكون الفيتو الذي أرادت به روسيا تعطيل التحول الأمريكي قد ساهم، paradoxically، في فتح مرحلة جديدة لمستقبل المينورسو، وترك الجزائر أمام سؤال استراتيجي ثقيل: ماذا لو أصبح الحليف الذي راهنت عليه جزءاً من معادلة لا تتحكم هي في نتائجها؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى