من الرباط إلى برلين وستوكهولم.. تجربة مغربية تصنع الفارق أمنيا

هناك تجارب أمنية تُختبر نجاعتها بحجم حضورها داخل حدودها، وتجارب أخرى تفرض نفسها خارج تلك الحدود لأن كفاءتها أصبحت ذات قيمة لدى شركائها. والتجربة المغربية تنتمي اليوم، بوضوح، إلى الصنف الثاني. فالإشادة الألمانية الأخيرة بأداء الأجهزة الأمنية المغربية، إلى جانب التعاون المتنامي مع السويد وإسبانيا ودول أوروبية أخرى، لا تعكس مجرد تقدير مهني أملاه تعاون أمني “اضطراراي”، بل تكشف مسارا تراكميا نجح فيه المغرب في بناء نموذج أمني قائم على الاستباق، وتبادل المعلومات، والتنسيق الدولي، وتحويل الخبرة الوطنية إلى رصيد من الثقة لدى شركاء يواجهون بدورهم تهديدات عابرة للحدود.

ولعل أهم ما يميز هذا النموذج أنه لم يبني قوته على رد الفعل، وإنما على القدرة على توقع الخطر قبل تحوله إلى أزمة. فالإرهاب، والجريمة المنظمة، وتهريب المخدرات، والاتجار بالبشر، والهجرة غير النظامية، ثم الجرائم السيبرانية كلها تهديدات تتحرك بسرعة تتجاوز الحدود، ولا يمكن مواجهتها بأجهزة تعمل في جزر منفصلة. لذلك أصبح تبادل المعلومات في تجربة المغرب جزءا من منظومة الأمن نفسها، وأصبحت سرعة الوصول إلى المعلومة وتحليلها وربطها بالمعطيات الميدانية عاملا أساسيا في صناعة القرار الأمني. وهذا تحديدا ما يفسر اتساع شبكة التعاون التي تربط المصالح الأمنية المغربية بنظيراتها الأوروبية.

وتأتي الإشادة الألمانية في هذا السياق باعتبارها شهادة من مؤسسة أمنية أوروبية ذات وزن، لكنها في الوقت نفسه نتيجة لمسار طويل من بناء الثقة. فقد تعززت العلاقات بين الرباط وبرلين عبر لقاءات متخصصة شملت كبار المسؤولين الأمنيين، وفي مقدمتهم عبد اللطيف حموشي ورئيس الشرطة الاتحادية الألمانية ديتر رومان، إلى جانب رئيس المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية وخبراء في مكافحة الإرهاب والأمن الرياضي.

كما امتد الحوار إلى مستويات استخباراتية وأمنية أخرى، في مؤشر على أن التجربة المغربية أصبحت محل اهتمام مؤسسات مختلفة، وليس جهازا واحدا فقط. وقد أكدت الرباط وبرلين رسميا في أبريل 2023 رغبتهما في تعزيز التعاون ضد الإرهاب والجريمة المنظمة وتهريب المخدرات، وتطوير تبادل المعلومات والتكوين الشرطي والتعاون العملياتي، بما يشمل أمن كأس العالم 2030.

لكن قوة التجربة المغربية تظهر بصورة أكثر وضوحا عندما تنتقل من البيانات إلى النتائج. ففي شتنبر 2026، أعلنت الشرطة السويدية توقيف مطلوبين سويديين في المغرب، بينهم شخص مرتبط بشبكة «فوكس تروت» الإجرامية، وكان مطلوبا بموجب نشرة حمراء للإنتربول. ووصف مسؤولون سويديون العملية بأنها ذات أهمية إستراتيجية، بينما وجهت الشرطة السويدية الشكر إلى كبير أمنيي المغرب السيد عبد اللطيف حموشي ومصالحه الأمنية، مؤكدة أن التعاون الوثيق بين البلدين ساهم في الوصول إلى أهداف إجرامية كانت تتحرك خارج الأراضي السويدية.

كما أعلنت الشرطة السويدية أن اتفاق التعاون الأمني الموقع بين البلدين جعل من مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود والجريمة الرقمية وتتبع الفاعلين الإجراميين من بين الأولويات المشتركة.

هذه الوقائع تمنح التجربة المغربية بعدا مختلفا، باعتبار الأمن المغربي لا يكتفي بحماية التراب الوطني من التهديدات القادمة من الخارج، بل أصبح شريكا في ملاحقة تهديدات تنشأ في الخارج ثم تعبر الحدود، وهو تحول بالغ الأهمية في مفهوم الأمن المعاصر. عندما تطلب دولة أوروبية التعاون مع المغرب للوصول إلى مطلوبين مرتبطين بشبكات إجرامية تنشط في أوروبا، فإن الأمر لا يتعلق فقط بقدرة تقنية على تنفيذ عملية توقيف، وإنما بوجود قنوات ثقة ومعلومات واتصال تسمح بتحويل التعاون الدولي إلى نتيجة ميدانية. وهنا تصبح الكفاءة الأمنية المغربية جزءا من منظومة أمن أوسع، وليست مجرد تجربة وطنية مغلقة.

واللافت أن المغرب لم يحصر هذه الخبرة في العلاقات الثنائية. ففي يناير 2026، احتضنت الرباط اللقاء الثلاثي الدوري بين المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني عبد اللطيف حموشي، ورئيس الشرطة الوطنية الإسبانية فرانسيسكو باردو بيكيراس، ورئيس الشرطة الاتحادية الألمانية ديتر رومان. وناقش اللقاء مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية وتهريب المخدرات والجرائم السيبرانية والأمن الرياضي، كما تناول تطورات الوضع في الساحل والصحراء وانعكاساتها على الفضاء الأورومتوسطي، إلى جانب تبادل المعطيات العملياتية والتقنية والاستعداد الأمني للتظاهرات الكبرى، وفي مقدمتها كأس العالم 2030.

وهنا تحديدا تتجلى إحدى نقاط قوة التجربة المغربية: قدرتها على الجمع بين البعد الوطني والبعد الإقليمي والبعد الدولي. فالمغرب لا يتعامل مع الأمن باعتباره مسألة حدود فقط، بل ينظر إلى التهديد باعتباره سلسلة مترابطة تبدأ أحيانا في الساحل، وتمر عبر شبكات إجرامية عابرة للقارات، وتنتهي آثارها في أوروبا أو الفضاء المتوسطي.

لذلك أصبح التعاون مع الشركاء الأوروبيين امتدادا طبيعيا لمنظومة الأمن المغربية، وليس تنازلا عن استقلال القرار الأمني. بالعكس، إن بناء شبكة واسعة من الشراكات القائمة على تبادل المعلومات والخبرات يعزز قدرة الدولة على حماية مصالحها في بيئة دولية تتراجع فيها فعالية العمل المنفرد أمام تعقيد التهديدات الجديدة.

كما أن التجربة المغربية تجاوزت مفهوم مكافحة الإرهاب بمعناه التقليدي إلى بناء منظومة أمنية أكثر شمولا، تتضمن الأمن السيبراني، والجرائم الرقمية، وتحليل البيانات، وتأمين الحدود، وحماية المنشآت، وتدبير الأزمات، وتأمين التظاهرات الرياضية الكبرى. وهذه النقلة مهمة لأنها تعكس إدراكا مبكرا لطبيعة الجريمة الجديدة، حيث لم يعد المجرم يحتاج إلى عبور الحدود بنفسه حتى ينفذ جريمة فيها؛ يكفي أن يمتلك شبكة اتصالات ووسائل رقمية وأموال تتحرك بين دول متعددة. وبالتالي، فإن الأمن الحديث أصبح في جزء كبير منه معركة معلومات، ومن يملك القدرة على جمع المعلومة وتحليلها وربطها بالعمل الميداني يمتلك أفضلية حاسمة في مواجهة الشبكات الإجرامية.

أما التكوين والتدريب، فيكتسبان بدورهما في هذه التجربة أهمية موازية، لأن بناء الأمن لا يتم فقط عبر الأجهزة والتكنولوجيا، وإنما عبر الاستثمار في الإنسان. التحقيق الرقمي، وتحليل البيانات، ومواجهة الجريمة المنظمة، وتدبير الأزمات، وحماية المنشآت، كلها مجالات تتطلب موارد بشرية متخصصة قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة. ومن هنا فإن انفتاح المغرب على تقاسم الخبرة والتكوين مع شركائه، ولاسيما في الفضاء الإفريقي، يعكس انتقال التجربة من منطق حماية الدولة إلى منطق المساهمة في بناء قدرات أمنية إقليمية أكثر صلابة.

حتى الأمن الرياضي أصبح مجالا يكشف تطور هذه الخبرة. فالوفدان الألماني والإسباني اللذان زارا المغرب في يناير 2026 اطلعا على ترتيبات الأمن والسلامة الخاصة بالمنافسات الرياضية، وعلى إدماج التكنولوجيا الرقمية في تأمين الملاعب وإدارة الجماهير، كما تمت زيارة مركز التعاون الأمني الإفريقي بالرباط، الذي يجمع مسؤولين مغاربة وأفارقة وأجانب ضمن منظومة تعاون مرتبطة بالتظاهرات الرياضية والأمن العملياتي. وهذه ليست تفاصيل هامشية، لأنها تعكس قدرة المغرب على تحويل تنظيم المنافسات الكبرى إلى فرصة لتطوير أدوات التعاون الأمني وتبادل الخبرات مع شركائه.

والأهم في التجربة المغربية أن الثقة الخارجية لم تأت من الخطاب، بل من تراكم النتائج. الإشادة الألمانية، والتعاون العملياتي مع السويد، والآلية الثلاثية مع إسبانيا وألمانيا، والتنسيق مع شركاء متعددين حول الإرهاب والجريمة المنظمة والساحل، كلها مؤشرات مختلفة تصب في اتجاه واحد: الأمن المغربي أصبح منتجا للأمان و للخبرة والشراكة، وليس مجرد مستهلك لها. وهذا هو التحول الحقيقي الذي يستحق التوقف عنده.

ففي عالم تتغير فيه طبيعة المخاطر بسرعة، لا تقاس قوة المنظومات الأمنية بعدد عناصرها أو حجم تجهيزاتها فقط، وإنما بقدرتها على الاستباق، وعلى بناء الثقة، وعلى تحويل المعلومة إلى فعل، وعلى العمل مع الآخرين من دون فقدان استقلال القرار. ومن هذه الزاوية، تقدم التجربة المغربية نموذجا واعدا في كيفية تحويل التراكم المؤسساتي والخبرة الميدانية إلى شبكة من الشراكات الدولية التي تخدم الأمن الوطني، وفي الوقت نفسه تساهم في حماية فضاء أوسع يمتد من إفريقيا والساحل إلى المتوسط وأوروبا.

ولذلك فإن قيمة التجربة المغربية لا تكمن فقط في أن برلين تُثني عليها أو أن ستوكهولم تشكر أجهزة المملكة بعد عمليات ناجحة، وإنما في أن هذه الشهادات تأتي من شركاء مختلفين وفي ملفات مختلفة، وتتقاطع مع وقائع وعمليات وتعاون مؤسساتي مستمر. حين تصبح أجهزة أمنية أوروبية بحاجة إلى الخبرة المغربية، وحين تتحول الرباط إلى منصة لتنسيق أمني ثلاثي بين إفريقيا وأوروبا، وحين تُستثمر التجربة المغربية في مواجهة تهديدات تتحرك عبر القارات، فإن الأمر يتجاوز الإشادة بالأداء إلى الاعتراف بمسار أمني راكم المغرب أدواته بهدوء، حتى أصبح فاعل يُحسب له ألف حساب في معادلة الأمن الإقليمي والدولي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى