تعيين رئيس الحكومة بعد انتخابات 2026.. بين تصدر الحزب وصلاحية التعيين الملكي

مع إسدال الستار على الاقتراع التشريعي الذي جرى يوم 23 شتنبر 2026، تدخل العملية السياسية في المغرب مرحلة جديدة، عنوانها الأبرز تشكيل الأغلبية الحكومية وتعيين رئيس الحكومة المقبل.
ومع تصدّر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج النهائية بـ97 مقعدًا، تتجه الأنظار إلى المسار المؤسساتي الذي سيلي إعلان النتائج والمصادقة عليها.
وبالتوازي مع ذلك، بدأت أسماء عدة تتردد في النقاش السياسي والإعلامي باعتبارها مرشحة محتملة لرئاسة الحكومة، غير أن هذا التداول يظل، في هذه المرحلة، منفصلًا عن القرار الدستوري الرسمي. فالحسم في هوية رئيس الحكومة لا يتم عبر التكهنات أو الترشيحات المتداولة، وإنما من خلال مقتضيات الدستور والمسار المؤسساتي الذي يلي الانتخابات.
الفصل 47.. الحزب المتصدر هو نقطة الانطلاق
يشكل الفصل 47 من دستور المملكة لسنة 2011 المرجعية الأساسية في مسألة تعيين رئيس الحكومة. وينص على أن الملك «يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها».
وتحمل هذه الصياغة الدستورية دلالة واضحة على مستوى ترتيب المسار المؤسساتي: فنتائج انتخابات مجلس النواب تحدد الحزب الذي تنطلق منه عملية تشكيل الحكومة، في حين يتم التعيين وفق الاختصاص الدستوري للملك.
وبذلك، فإن تصدّر حزب معين للانتخابات لا يعني، في حد ذاته، الإعلان عن اسم رئيس الحكومة، وإنما يحدد الإطار الحزبي الذي ينطلق منه هذا المسار.
هل يعني تصدّر الحزب تعيين أمينه العام تلقائيًا؟
هنا تبرز إحدى أكثر النقاط إثارة للنقاش في المرحلة الحالية، خصوصًا مع حالة حزب الأصالة والمعاصرة، الذي يطرح خصوصية تنظيمية مرتبطة بنموذج القيادة الجماعية.
فالسؤال المطروح لا يتعلق فقط بمن تصدر الانتخابات، وإنما أيضًا بكيفية ترجمة هذا التصدر إلى اختيار الشخصية التي ستتولى رئاسة الحكومة.
وبالعودة إلى نص الفصل 47، لا نجد أي مقتضى يربط بشكل صريح بين منصب رئيس الحكومة ومنصب الأمين العام للحزب المتصدر. فالنص الدستوري يحدد الحزب الذي يتم منه تعيين رئيس الحكومة، ويربط ذلك بنتائج انتخابات مجلس النواب، دون أن ينص على أن الشخصية المعينة يجب أن تكون، بالضرورة، الأمين العام لذلك الحزب.
ومن هذه الزاوية، تكتسب خصوصية البنية القيادية للأصالة والمعاصرة أهمية سياسية وتنظيمية، لأنها تجعل النقاش حول هوية رئيس الحكومة يتجاوز السؤال التقليدي المرتبط باسم الأمين العام للحزب.
الملك يعيّن.. والدستور يحدد الإطار
يضع الدستور تعيين رئيس الحكومة ضمن الاختصاصات الملكية، لكنه في الوقت نفسه يحدد الإطار الذي تتم داخله ممارسة هذا الاختصاص.
وهذه الثنائية هي جوهر الفصل 47: الملك هو صاحب اختصاص التعيين، والحزب الذي تصدر انتخابات مجلس النواب هو نقطة الانطلاق التي يحددها الدستور لهذا التعيين.
ومن ثم، فإن الحديث عن مرحلة ما بعد انتخابات 2026 يستدعي الفصل بين ما هو نتيجة انتخابية مؤكدة، وما هو قرار دستوري لم يصدر بعد، وما هو مجرد تكهن أو قراءة سياسية.
ومع استمرار استكمال المسار المؤسساتي للانتخابات، تظل مختلف الأسماء المتداولة في الإعلام وفي النقاش السياسي ضمن دائرة الاحتمالات والتحليلات، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها قرارات رسمية قبل صدور التعيين وفق المقتضيات الدستورية. إذ إن كثرة الأسماء لا تغير من حقيقة أن المرجعية النهائية في هذه المسألة تظل هي الدستور.
وفي المحصلة، فإن انتخابات 23 شتنبر تحدد الحزب المتصدر، بينما ينتقل المسار بعد ذلك إلى مرحلة مؤسساتية جديدة يحكمها الفصل 47 من الدستور.
وبينما تمنح صناديق الاقتراع الحزب المتصدر موقع الانطلاق في تشكيل الحكومة، يبقى تعيين رئيس الحكومة قرارًا دستوريًا يتم وفق الصلاحيات والضوابط التي حددها دستور المملكة.
وعليه، فإن السؤال حول هوية رئيس الحكومة المقبل لا يمكن حسمه بمجرد ترتيب الأحزاب أو تداول الأسماء، بل يظل مرتبطًا بالمسار المؤسساتي الذي يبدأ بالنتائج الرسمية وينتهي بصدور قرار التعيين من الملك.



