ساعات قبل اقتراع 23 شتنبر.. سياسيون يفضلون المزايدات بالدين وفلسطين والمؤامرات على البرامج الحقيقية

في الساعات الأخيرة من الحملة الانتخابية، يفترض أن تبلغ السياسة ذروة الوضوح، وأن تفتح الأوراق على الطاولة بلا مواربة لا ليقال للمواطن ماذا ينبغي أن يشعر، ولا ليطلب منه أن يصفق لهذا الخطاب أو ذاك، وإنما ليقال له، ببساطة تليق بعقله: ماذا سنفعل؟ وكيف سنفعله؟ وبأي كلفة؟ ومتى ستبدأ النتائج في الظهور؟ ومتى يحق لكم أن تحاسبونا؟
غير أن السياسة، حين تضيق بها البرامج، تعود غالبا إلى ما هو أسهل وأسرع تأثيرا الدين والهوية من جهة، وفلسطين والتطبيع والخوف من الخارج والمؤامرة من جهة أخرى. وهي كلها قضايا حقيقية ومشروعة في النقاش العام، ولا أحد يملك حق مصادرة حضورها في السياسة. لكن مشروعية القضية لا تجعل منها بديلا عن السؤال الذي يوقظ المواطن كل صباح: كيف سأعيش غداً؟ أين سأجد عملاً؟ كيف سأدفع كلفة السكن؟ وكيف سأضمن لأبنائي تعليماً أفضل وصحة أكثر أمنا؟
فالسياسة التي لا تنزل من منصة الخطابة إلى أرض الحياة اليومية تظل كلاما جميلا، مهما علت نبرتها، ومهما ازدانت مفرداتها.
عبد الإله بنكيران، في إحدى خرجاته الانتخابية الأخيرة، قال إن أعز ما عند المغاربة ليس اللحم والدجاج، وإنما عقيدتهم ودينهم، وإن بهذه العقيدة يستطيعون أن يعيشوا ويضمنوا مستقبلهم. ولا أحد ينازع بنكيران حقه في الدفاع عن الدين، كما لا ينازع المغاربة حقهم في الاعتزاز بعقيدتهم. لكن ثمة فرقاً لا ينبغي أن يضيع وسط حرارة الخطاب فرق بين مرجعية السياسي وبين برنامج الحكومة.
فالدين قد يكون مصدرا للقيم والمعنى، وقد يمنح الإنسان ما يمنحه الإيمان من طمأنينة وبوصلة أخلاقية، لكنه لا يحدد سعر السكن، ولا يخلق منصب شغل، ولا يشيد مستشفى، ولا يصلح مدرسة، ولا يضع سياسة للأجور والاستثمار.
المواطن لا يُطلب منه أن يختار بين الدين والخبز. إنه يريد الاثنين معا أن يحفظ قيمه وهويته، وأن يعيش في الوقت نفسه حياة كريمة. يريد أن يكون له وطن يعتز به، ودولة تحمي كرامته، واقتصاد يفتح أمامه أبواب المستقبل.
وحين تضيق القدرة الشرائية، ويبتعد السكن عن متناول الأسر، ويظل الشغل والتعليم والصحة في مقدمة الهموم اليومية، فإن وظيفة السياسي ليست أن يشرح للمغربي ما ينبغي أن يحب، بل أن يشرح له كيف سيجعل حياته أقل قسوة وأكثر أمنا واستقرارا.
وهنا تصبح المفارقة أكبر من مجرد حديث عن معاش. فبنكيران يتقاضى معاشا استثنائيا صافيا قدره 70 ألف درهم شهريا، أي سبعة ملايين سنتيم من المال العمومي، ثم يظهر أمام المغاربة بصورة الرجل البسيط الذي لا يملك منزلا ويسكن في بيت زوجته ماذا ينتظر من تسويق هذه الصورة ؟
والإشكال ليس في أن يملك بنكيران منزلا أو ألا يملكه، ولا في أن يعيش في بيت زوجته فهذا شأن شخصي. الإشكال هو تقديم هذه المعطيات ضمن صورة سياسية توحي بأنه يعيش معاناة المواطن البسيط نفسها، بينما وضعه المالي مختلف بشكل واضح. فكيف يمكن لمن يتقاضى سبعة ملايين سنتيم شهريا كمعاش استثنائي أن يخاطب مواطنا يكافح من أجل قوته اليومي وكأنه يتقاسم معه الظروف نفسها؟
وهنا تطرح مرجعيته الدينية والأخلاقية سؤالا إضافيا أليس الصدق والوضوح جزءا من الأخلاق التي يفترض أن يدافع عنها صاحب هذه المرجعية؟ لأن استثمار صورة البساطة والتقشف في الخطاب السياسي شيء، وتقديم الوضع الحقيقي بكل تفاصيله ووضوحه شيء آخر.وإذا كان بنكيران يطمح إلى العودة إلى رئاسة الحكومة، فمن حق المغاربة أن يسألوه عن علاقته بالمال العام، وعن تصوره لتدبير المال والمسؤولية العمومية، وعن حصيلة الولاية التي سبق أن ترأس خلالها الحكومة. فمن يطلب تفويضا جديدا لتدبير أموال الدولة ومقدراتها، عليه أن يقبل بأن تكون علاقته بالمال وبالمسؤولية محل مساءلة علنية.
وعلى الضفة الأخرى، تأتي نبيلة منيب بخطاب مختلف في مرجعيته، لكنه يستند بكثافة إلى ملفات قادرة بدورها على استنفار العاطفة، فلسطين، رفض التطبيع، السيادة الوطنية، والحديث المتكرر عن التهديدات والمؤامرات والاختراقات ومخاطر التفتيت. ومرة أخرى، لا أحد يملك حق مصادرة موقفها من فلسطين أو من التطبيع، فهذه قضايا مشروعة للنقاش السياسي، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التحذير من الخطر إلى خطاب سياسي قائم بذاته، وعندما يصبح الخارج حاضرا إلى درجة يكاد معها الداخل يغيب.
فإذا كانت هناك مخططات تستهدف المغرب، فالمواطن من حقه أن يعرف طبيعتها ومعطياتها وأدلتها، والأهم أن يعرف كيف ستواجهها الدولة، لأن السياسة لا تكتفي بتسمية الخطر، بل تقدم استراتيجية للتعامل معه. أما إبقاء المواطن في حالة خوف دائم من مؤامرة تحيط به من كل جانب، فلا يصنع بالضرورة مواطناً أكثر وعياً، ولا يمنح الشباب مشروعا للمستقبل.
والشباب تحديدا يستحق خطابا مختلفا عن خطاب الخوف. فالمغرب يعاني فعلا من البطالة والتفاوتات والفوارق المجالية، لكنه ليس بلدا بلا قدرة ولا مجتمعا بلا إنجاز. هناك شباب يدرسون ويبتكرون، ومقاولات تنافس، وكفاءات تصنع لنفسها مكانا داخل المغرب وخارجه، وبالتالي فإن اختزال الشباب في صورة الضحية الدائمة لا يكفي لبناء مشروع سياسي. والشأن نفسه ينطبق على الشباب القروي الذي عاد بقوة إلى الخطاب السياسي، وعلى الحديث عن التهميش وعن مغرب يسير بسرعتين.
لا شك أن العالم القروي يعاني من اختلالات حقيقية، لكن هؤلاء الشباب لم يظهروا مع ظهور الانتخابات، وهذه القرى لم تبدأ معاناتها يوم بدأت الحملة الانتخابية. ظل مواطنون لسنوات يعانون من ضعف الخدمات الصحية والتعليمية، ومن صعوبة النقل وفرص الشغل والبنيات الأساسية، ولذلك فإن إعادة اكتشافهم في الخطاب السياسي اليوم يجب ألا تكون موسمية، ولا مرتبطة فقط بارتفاع قيمة أصواتهم الانتخابية. الشاب القروي لا يحتاج إلى سياسي يتذكره كلما اقترب موعد الاقتراع، بل يحتاج إلى دولة تضمن له مدرسة جيدة، وصحة لائقة، وماء وطرقا وتكوينا وفرصة عمل، وتمنحه إمكانية بناء مستقبله دون أن يكون الرحيل هو خياره الوحيد.
في النهاية، المغاربة لا يحتاجون إلى من يزايد عليهم في الدين، ولا إلى من يزايد عليهم في الوطنية، ولا إلى من يثبت لهم أنه يحب فلسطين أكثر، ولا إلى من يقنعهم بأن المغرب محاصر دائما بالمؤامرات. المواطن يعرف دينه، ويعرف وطنه، ويعرف موقفه من فلسطين، لكنه يريد من السياسي شيئا أكثر صعوبة من الخطابة، يريد برنامجا يمكن مساءلته عنه. يريد أن يعرف كيف سيخلق الشغل، وكيف سيعالج السكن، وكيف سيحسن التعليم والصحة، وكيف سيحمي القدرة الشرائية، وكيف سينصف العالم القروي، وكيف سيجعل المغرب أكثر قدرة على مواجهة تحديات الخارج، وبأي موارد وبأي آجال.
لذلك، في آخر ساعات الحملة، لا ينبغي أن تكون المنافسة على من يستطيع دغدغة مشاعر المغاربة أكثر، ولا على من يرفع صوته أعلى، وإنما على من يستطيع أن يحول الكلام إلى سياسة، والسياسة إلى نتائج، والنتائج إلى مسؤولية. الدين ليس بديلا عن الاقتصاد، وفلسطين ليست بديلا عن البرنامج، والخوف من الخارج ليس بديلا عن رؤية للداخل، والوطنية ليست مسابقة في رفع الصوت. المغربي لا يحتاج إلى سياسي يقرر له ماذا يجب أن يشعر، وإنما إلى سياسي يحترم عقله بما يكفي ليقدم له مشروعا واضحا، ثم يقبل، قبل غيره، بأن يسأل عنه ويحاسب عليه.
احترموا مشاعر المغاربة، نعم، لكن احترموا عقولهم أكثر



