من الابتزاز بالعمولة إلى خدمة بارونات المخدرات، تسريبات تضع جيراندو في قلب شبكة التهريب


تتهاوى اليوم، واحدة تلو الاخرى، الاقنعة التي احاط بها هشام جيراندو صورته طويلا، فلم يعد الامر، كما كان يحاول ايهام متابعيه، مجرد نشاط اعلامي صاخب او ابتزاز بالعمولة وتصفية حسابات لحساب الغير، بل ان التسريب الجديد الذي فجرته مجموعة اطلس هاكس، وما تضمنه من معطيات وتسجيلات صوتية، يرسم صورة اكثر خطورة، قوامها انتقال هذا النصاب الهارب، بحسب ما يكشفه التسريب، من مجرد مبتز يتاجر بالفضائح الى شخص يقدم نفسه في موقع المستشار الامني والميداني لشبكات تنشط في الاتجار الدولي بالمخدرات، من خلال توجيه ارشادات وتحذيرات لمن يحاولون تفادي قبضة الاجهزة الامنية المغربية، وهي معطيات، اذا ثبتت اصالتها، كفيلة باعادة فتح الملف كله من زاوية مختلفة تماما.

التسريب الجديد لا يقدم مجرد كلام عابر، بل يكشف، وفق ما تم تداوله، عن محادثة مباشرة بين جيراندو وامين الغزاوي، المزداد سنة 1995 بمدينة فاس، والذي يشار اليه في المعطيات المتداولة باعتباره من المطلوبين في قضايا مرتبطة بالاتجار الدولي في المخدرات، حيث يظهر الصوت المنسوب الى جيراندو وهو يحذر من خطورة تحرك الشحنات في الظرف الراهن، ويدعو الى تجميد عمليات التهريب تفاديا للوقوع في قبضة عناصر الدرك الملكي، وهي تفاصيل تضع المتلقي امام صورة مغايرة تماما للرجل الذي اعتاد تقديم نفسه باعتباره صاحب رسالة سياسية او حقوقية، لان لغة التحذير من المراقبة، والحديث عن توقيت التحرك ومسارات الشحن، ليست لغة من يراقب الجريمة من بعيد، وانما لغة من يبدو، بحسب مضمون التسجيل، على معرفة بما يجري في دهاليزها.

والاخطر من ذلك ما ورد في مخاطبته المباشرة للغزاوي بعبارة قول للحاج يفراني، وهي عبارة تبدو، في سياق التسريب، اكثر من مجرد تفصيل عابر، لانها تفتح الباب امام اسئلة حول طبيعة الاسماء والعلاقات والشبكات التي يعرفها الرجل، وحول حجم المعلومات التي قد تكون متاحة له عن البنية اللوجستية لعمليات التهريب ومزارعها ومستودعاتها ومساراتها، وهنا يصبح السؤال اكبر من شخص يبتز بالعمولة او يقتات على تصفية الحسابات، لان الامر، اذا ثبتت الوقائع، يتعلق بشخص يتحول من واجهة اعلامية تهاجم المؤسسات الى حلقة محتملة في منظومة تسعى الى حماية مصالح تجار السموم وتسهيل افلاتهم من المراقبة.

وهذه المعطيات، اذا ثبتت صحتها، تعيد بدورها قراءة الخطاب العدائي الذي ظل جيراندو يوجهه بصورة هستيرية الى المؤسسات الامنية الوطنية وقياداتها، لان السؤال لم يعد فقط لماذا يهاجم، وانما لمن يمكن ان تكون هذه الهجمات مفيدة، ومن الذي يستفيد من اضعاف صورة الاجهزة التي تضرب شبكات التهريب وتلاحق بارونات الجريمة المنظمة، فالسياسة شيء، وتحويل المنبر الى اداة ضغط وتشويش لحماية مصالح مشبوهة شيء اخر تماما، ومن يختار الوقوف في الجهة المقابلة للدولة لا يمكنه ان يطالب بالاعفاء من المساءلة عندما تكشف التسجيلات، ان صحت، عن صلات تتجاوز حدود الخصومة السياسية نحو دوائر الجريمة العابرة للحدود.

لقد انتهى زمن الخطابات التي تختبئ خلف عبارات النضال والشرف والوطنية كلما اقترب السؤال من الحقيقة، واذا اثبتت الخبرة والتحقيقات صحة هذه التسجيلات ومضامينها، فان القضية لن تكون مجرد فضيحة جديدة لنصاب هارب او فصل اضافي من فصول الابتزاز الرقمي، بل ستصبح قضية امنية وقضائية تكشف، لمن يحتاج الى مزيد من الادلة، كيف يمكن لبعض الواجهات ان تتزين بشعارات المعارضة بينما تتحرك خلفها مصالح اكثر قتامة، وعندها لن تنفع الاقنعة ولا المزايدات ولا حملات التشويه، لان الدليل حين يكتمل لا يترك للضجيج سوى دور واحد، ان يغطي على الحقيقة لبعض الوقت، قبل ان تفرض الحقيقة نفسها، ويبقى القضاء وحده صاحب الكلمة الفصل في تحديد المسؤوليات وانزال الجزاء بمن تثبت ادانته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى