صفقات قطر الدفاعية مع إسرائيل تفضح ازدواجية مناهضي التطبيع

لم يعد الحديث عن العلاقات القطرية الإسرائيلية مجرد سجال سياسي أو اتهامات متبادلة في المنطقة. القرار الذي كشفت عنه وسائل إعلام إسرائيلية، في 17 غشت الجاري، بوقف جميع الصادرات الدفاعية إلى قطر، بما فيها الدعم والصيانة المرتبطان بمبيعات سابقة، فتح ملفاً أكثر إحراجاً: إذا كانت إسرائيل قررت اليوم وقف صادراتها الدفاعية إلى الدوحة، فهذا يعني ببساطة أن صادرات واتفاقات وتعاوناً دفاعياً كانت قائمة بالفعل.
وبحسب ما نقلته Times of Israel عن القناة 12 الإسرائيلية، فإن القرار لا يتعلق فقط بمنع صفقات جديدة، وإنما يشمل وقف الدعم والصيانة المرتبطين بالتجهيزات التي سبق بيعها لقطر. والأكثر دلالة أن التقرير نفسه تحدث عن معدات إسرائيلية بمئات ملايين الدولارات وصلت إلى الدوحة ضمن منظومات ومشاريع أمريكية، من بينها تجهيزات للدفاع الجوي والرؤية الليلية وإلكترونيات الطيران المتقدمة.
لكن المسألة أقدم وأوسع من القرار الأخير. ففي يونيو الماضي، كشفت تقارير استناداً إلى معطيات نشرتها صحيفة هآرتس أن ثلاث طائرات تابعة للأسرة الأميرية القطرية جُهزت بمنظومة C-MUSIC الإسرائيلية التي تنتجها شركة Elbit Systems للحماية من الصواريخ الموجهة بالأشعة تحت الحمراء. كما دخلت شركات إسرائيلية في برنامج مقاتلات F-15QA القطرية عبر عقود فرعية، شملت خوذات قتالية متطورة ونظارات للرؤية الليلية ومكونات إلكترونية أخرى.
وقبل ذلك، كشفت تقارير إسرائيلية أن Elbit Systems و Rafael و Israel Aerospace Industries أبرمت أو تفاوضت بشأن صفقات كبيرة مع قطر بموافقة الجهات الإسرائيلية المختصة. وتحدث تقرير لـ Ynet عن عقود لـ Elbit تجاوزت قيمتها 100 مليون دولار، وصفقات بعشرات الملايين مع Rafael، فضلاً عن علاقة ممتدة بين الصناعات الجوية الإسرائيلية ومسؤولين قطريين، تضمنت زيارات متعددة إلى الدوحة وزيارة وفد قطري رفيع إلى مقر الشركة في إسرائيل.
هذه الوقائع تكشف شيئاً لا يقل أهمية: غياب العلاقات الدبلوماسية لم يمنع تعاوناً عملياً ودفاعياً واسعاً مع إسرائيل. بل إن العلاقة نفسها لها سوابق أقدم، إذ افتُتح مكتب تجاري إسرائيلي في الدوحة سنة 1996. وهنا تبدأ القضية المغربية.
فداخل المغرب، بُني خلال السنوات الماضية خطاب سياسي وإعلامي شديد الصرامة حول العلاقات مع إسرائيل. أسماء مثل عزيز هناوي وأحمد ويحمان وعزيز غالي، إلى جانب هيئات وتنظيمات من بينها جماعة العدل والإحسان وحركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية، حضرت بدرجات مختلفة في حملات رفض التطبيع والمطالبة بوقف العلاقات المغربية الإسرائيلية. وهناوي، على سبيل المثال، وصف التطبيع المغربي مؤخراً بأنه «خراب»، بينما تؤكد منصات هذه الهيئات باستمرار رفضها للتعاون السياسي والعسكري مع إسرائيل.
وإذا كانت الصفقة العسكرية مع شركة إسرائيلية دليلاً على خطورة التطبيع عندما يبرمها المغرب، فماذا تسمى منظومات دفاع إسرائيلية مثبتة على طائرات الأسرة الأميرية القطرية؟ وإذا كان التعاون العسكري مع إسرائيل يستوجب الاحتجاج والتنديد عندما يتعلق بالرباط، فكيف ينبغي توصيف عقود بمئات ملايين الدولارات شاركت فيها Elbit وRafael وIAI لصالح قطر؟ وإذا كانت مجرد العلاقة الرسمية مع إسرائيل تستدعي خطاباً يصل أحياناً إلى التخوين، فأين يوضع تعاون دفاعي كان يجري بعيداً عن الأضواء بين الدوحة وتل أبيب؟
المفارقة تصبح أكثر وضوحاً لأن قطر بنت جزءاً مهماً من قوتها الناعمة الإقليمية على خطاب دعم فلسطين واحتضان حماس والوساطة في ملف غزة، بالتوازي مع هذه القنوات الأمنية والدفاعية التي تكشفها اليوم المصادر الإسرائيلية. بل إن قرار إسرائيل وقف الصادرات جاء، وفق القناة 12، بعد تحول في النظرة الإسرائيلية إلى قطر واتهامها بالعمل ضد المصالح الإسرائيلية. أي أن تل أبيب نفسها هي التي أعلنت عملياً نهاية تعاون ظل لسنوات بعيداً عن الواجهة.
أما داخل المغرب، فحتى وقت إعداد هذا المقال، لا يظهر في المصادر المفتوحة التي جرى الاطلاع عليها رد يوازي حجم الخطاب الذي يُستخدم عادة ضد التعاون المغربي الإسرائيلي من جانب أبرز الواجهات والتنظيمات المعروفة بمناهضة التطبيع. وهذا تحديداً ما يجعل المسألة سياسية أكثر منها أخلاقية: المبدأ لا يُختبر عندما يكون الخصم هو المعني، بل عندما تكون الدولة أو الجهة التي تحظى بالتعاطف السياسي هي التي تقع أمام المعيار نفسه.
لا يمكن رفض التعاون مع إسرائيل باعتباره «خيانة» عندما تمارسه الرباط، ثم التعامل معه باعتباره تفصيلاً ثانوياً عندما تكشف الوثائق أنه وصل في قطر إلى أنظمة دفاع جوي وتجهيزات لطائرات عسكرية وأميرية وعقود بمئات ملايين الدولارات.
وإذا كان لقطر الحق في أن تقول إن سياستها الخارجية تحكمها اعتبارات أمنية ووساطات ومصالح دولة، فإن المنطق نفسه يمنع أي طرف من إنكار حق المغرب في بناء علاقاته الخارجية وفق مصالحه السيادية وأولوياته الأمنية.
المشكلة، إذن، ليست قطر وحدها، ولا حق الدوحة في تحديد سياستها. المشكلة في ازدواجية من يحوّل فلسطين إلى معيار صارم لمحاسبة المغرب، ثم يخفض سقف المعيار نفسه فور انتقاله إلى قطر.
قرار إسرائيل وقف صادراتها الدفاعية إلى الدوحة لم يكشف فقط حجم التعاون الذي سبقه. لقد وضع خطاباً كاملاً أمام اختبار بسيط: من يرفض العلاقات مع إسرائيل كمبدأ، عليه أن يرفضها سواء كانت في الرباط أو الدوحة. أما أن تصبح «خيانة» هنا و«صمتاً» هناك، فذلك ليس ثباتاً على مبدأ، وإنما انتقائية سياسية لا تستطيع الوقائع الجديدة إخفاءها.



