واشنطن تكسر الصمت حول سبتة ومليلية.. وثيقة رسمية تعزز الطرح المغرب

خرج من واشنطن تطور قد تكون له دلالات أعمق على مستقبل أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات المغربية الإسبانية. فداخل أروقة الكونغرس الأمريكي، تضمن تقرير رسمي صادر عن لجنة الاعتمادات بمجلس النواب الأمريكي، والمرافق لمشروع ميزانية الأمن القومي ووزارة الخارجية للسنة المالية 2027، صياغة غير مسبوقة أعادت قضية سبتة ومليلية إلى دائرة الاهتمام السياسي.

الوثيقة وصفت المدينتين بأنهما “تداران من قبل إسبانيا وتقعان في الأراضي المغربية، ولا يزال المغرب يطالب بهما”، وهي عبارة تحمل ثقلا سياسيا بالنظر إلى الجهة التي صدرت عنها، كما دعت وزير الخارجية الأمريكي إلى تشجيع الحوار بين الرباط ومدريد بشأن “الوضع المستقبلي” للمدينتين، في إشارة تؤكد أن القضية ما تزال مطروحة للنقاش وليست ملفا مغلقا كما تحاول بعض الخطابات السياسية الإسبانية الإيحاء.

ورغم أن التقرير لا يمثل تغييرا رسميا في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، ولا يرتب أي أثر قانوني مباشر على وضع المدينتين، فإن صدوره عن لجنة الاعتمادات، إحدى أكثر اللجان تأثيرا داخل مجلس النواب الأمريكي، يمنحه قيمة سياسية ورمزية كبيرة، خصوصا أن تقارير هذه اللجنة غالبا ما تعكس توجهات المؤسسة التشريعية وتوجه رسائل إلى الإدارة الأمريكية بشأن أولوياتها الدبلوماسية.

ولم يقتصر التقرير على هذه الصياغة، بل أعاد التذكير بمعاهدة السلام والصداقة الموقعة بين المغرب والولايات المتحدة سنة 1786، والتي تعد أقدم معاهدة دبلوماسية لا تزال سارية في تاريخ الولايات المتحدة، في استحضار يعكس متانة العلاقات التاريخية والاستراتيجية التي تجمع البلدين، ويضع النقاش حول سبتة ومليلية ضمن سياق أوسع يرتبط بالشراكة المغربية الأمريكية.

وتكتسب هذه اللغة أهمية خاصة لأنها تختلف عن الصيغ التقليدية التي اعتادت المؤسسات الأمريكية استخدامها عند الإشارة إلى المدينتين، إذ لم تكتف بالإقرار باستمرار المطالبة المغربية، بل فتحت المجال للحديث عن “الوضع المستقبلي”، وهو تعبير سياسي يعكس أن الملف لا يزال قائما على أجندة النقاش، ولا يمكن اعتباره منتهيا أو خارج دائرة البحث.

وفي المقابل، من الطبيعي أن تثير هذه الوثيقة اهتماما واسعا داخل إسبانيا، لأنها تتعارض مع الرواية التي تقدم سبتة ومليلية باعتبارهما قضية محسومة وغير قابلة للنقاش. فمجرد ورود هذا التوصيف في وثيقة رسمية صادرة عن مؤسسة تشريعية أمريكية يفتح الباب أمام تساؤلات جديدة حول كيفية تعاطي القوى الدولية مع هذا الملف في المستقبل.

وتؤكد التجارب الدبلوماسية أن التحولات الكبرى لا تبدأ دائما بقرارات مفاجئة أو بإعلانات رسمية، بل كثيرا ما تنطلق من تغير تدريجي في الخطاب السياسي والوثائق المرجعية، قبل أن تنعكس لاحقا على مواقف أكثر وضوحا. ومن هذا المنطلق، فإن أهمية الوثيقة الأمريكية لا تكمن في أنها غيرت الموقف الرسمي لواشنطن، بل في أنها اعتمدت لغة تعترف باستمرار المطالبة المغربية، وتقر بأن مستقبل المدينتين يظل موضوعا للحوار.

وبذلك، يكتسب الموقف المغربي دعما معنويا جديدا داخل مؤسسة تشريعية مؤثرة في الولايات المتحدة، ويؤكد أن قضية سبتة ومليلية لا تزال حاضرة في النقاش الدولي، وأنها تبقى جزءا من الملفات المرتبطة باستكمال الوحدة الترابية للمملكة، في إطار الحوار والشرعية الدولية، بعيدا عن محاولات تصويرها كقضية طويت صفحاتها نهائيا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى