من درع تذكاري إلى “جائزة أمنية”.. حقيقة الصورة التي استغلها النصاب هشام جيراندو لتضليل الرأي العام

عاد هشام جيراندو، الملاحق في قضايا نصب دولية، إلى إثارة الجدل عبر منصاته الرقمية من خلال نشر مزاعم جديدة تستهدف مؤسسات الدولة المغربية، حيث سعى هذه المرة إلى التشكيك في استقلالية السلطة القضائية، مستندا إلى صورة يظهر فيها نائب لوكيل الملك وهو يتسلم درعا تذكاريا، مقدما ذلك للرأي العام على أنه “جائزة” منحتها له أجهزة الأمن والاستخبارات مقابل ما ادعى أنه خدمات قدمها لها، دون أن يسند هذه الاتهامات بأي دليل أو وثيقة رسمية.

إلا أن مراجعة بسيطة للمعطيات المتاحة تكشف أن الرواية التي روج لها لا تستند إلى أساس واقعي. فالدرع الظاهر في الصورة ليس تكريما صادرا عن المديرية العامة للأمن الوطني أو المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، كما زعم، وإنما يتعلق بشعار المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج (DGAPR)، وقد سُلِّم خلال نشاط رسمي تنظمه هذه المؤسسة، التي تتمتع باختصاصات قانونية وتنظيمية مستقلة تماما عن الأجهزة الأمنية والاستخباراتية.

وتكشف هذه الواقعة عن نمط متكرر في صناعة المحتوى التضليلي، يقوم على اقتطاع صور أو وثائق من سياقها الأصلي، ثم إعادة تفسيرها بما يخدم رواية جاهزة سلفا. فبدل الاستناد إلى معطيات موثقة أو وثائق قابلة للتحقق، يتم بناء استنتاجات شخصية وتقديمها للجمهور في هيئة حقائق ثابتة، وهو أسلوب من شأنه تضليل الرأي العام وإثارة الشكوك حول مؤسسات الدولة دون سند موضوعي.

كما أن محاولة الخلط بين مؤسسات دستورية وإدارية لكل منها اختصاصاتها وصلاحياتها القانونية، لا تعدو أن تكون وسيلة لإضفاء مظهر من المصداقية على اتهامات تفتقر إلى الأدلة. فالسلطة القضائية واستقلالها لا يمكن الطعن فيهما عبر منشورات على شبكات التواصل الاجتماعي أو تأويلات مبنية على صور مجتزأة، وإنما من خلال معطيات موثقة وإجراءات قانونية واضحة إذا توفرت أسبابها.

وتعيد هذه القضية إلى الواجهة أهمية إخضاع المحتوى المتداول على المنصات الرقمية لعمليات التحقق قبل تداوله أو تبني مضامينه. فصحة الصورة لا تعني بالضرورة صحة الرواية المصاحبة لها، إذ كثيرا ما يتم توظيف صور حقيقية لإسناد ادعاءات مضللة لا تجد ما يدعمها في الوقائع أو الوثائق.

وتؤكد هذه الواقعة، مرة أخرى، أن هشام جيراندو دائما ما دأب على توظيف الإثارة وصناعة الروايات غير الموثقة كوسيلة لاستقطاب التفاعل على حساب الحقيقة. فبدل تقديم معطيات مدعومة بالأدلة، يواصل بناء اتهامات على التأويل والخلط بين الوقائع، في نهج لا يخدم سوى نشر الشكوك وتضليل الرأي العام. وعندما تتحول الصور الرسمية إلى مادة للتلاعب، وتُقتطع من سياقها لتسويق استنتاجات لا سند لها، فإن الأمر لا يتعلق بحرية التعبير أو النقد المشروع، بل بممارسة تفتقر إلى الحد الأدنى من المهنية والمصداقية.

وفي نهاية المطاف، تبقى الوقائع الموثقة أقوى من أي رواية مفبركة، وتظل الحقيقة عصية على التشويه مهما تعددت محاولات التضليل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى