تسريب مزلزل يكشف شبكة جيراندو.. مساومة تجار المخدرات وتسهيل الهجرة السرية من تركيا ووسيط يريد جنسية “إسرائيلية”

بعد السلسلة السابقة التي كشفت خيوط العلاقة بين حيجاوي وهشام جيراندو، وما رافقها من تنسيق ومخططات وتحركات بعيدة عن الخطاب المعلن، عرضت صفحة «أطلس هاكس» حلقة ثانية من ملف جديد يفضح علاقات جيراندو بتجار المخدرات، واستعماله الفيديوهات والتشهير وسيلة للضغط والمساومة وتحصيل الأموال بواسطة وسطاء يتولون جمع المعطيات عن الأشخاص المستهدفين والتفاوض معهم.
وتأتي الحلقة الجديدة استكمالا للتسجيلات التي أظهرت، في جزئها الأول، تواصل والدة تاجر مخدرات يدعى رضى العمدي مع جيراندو لإقناعه بحذف الفيديوهات المنشورة ضد ابنها. وبدل الاستجابة إلى طلبها أو مناقشة صحة ما ورد في تلك المواد، أرسل إليها رقم وسيطه رشيد الراضي، الملقب بـ«رشيد الصحراوي»، الذي يقضي حاليا عقوبة سجنية، لتبدأ من هناك مرحلة التواصل المباشر بشأن شروط وقف الحملة.
وتكشف التسريبات الجديدة ضمن الحلقة الثانية، أن رشيد الراضي لم يكن مجرد وسيط يتدخل بعد نشر الفيديوهات، بل كان ينفذ تعليمات جيراندو ويتولى اصطياد الأشخاص المستهدفين وجمع التفاصيل المتعلقة بهم. وكان جيراندو يمده بمعطيات أولية عن الشخص المراد استهدافه، قبل أن يتحرك الراضي للبحث عن معلومات إضافية بشأنه، ورصد محيطه وعلاقاته، ثم موافاة جيراندو بما توصل إليه تمهيدا لاستعمال تلك المعطيات في الفيديوهات وحملات الضغط اللاحقة.
وتظهر الحلقة الثانية محادثة بين رضى العمدي ورشيد الراضي، حاول خلالها العمدي الوصول إلى جيراندو وإقناعه بحذف الفيديوهات التي نشرها ضده. وخلال هذا التواصل، أكد استعداده لتلبية جميع طلباته مقابل إنهاء الاستهداف، سواء تعلق الأمر بأداء مقابل مالي أو بتنفيذ مهام يمكن أن تُطلب منه مستقبلا.
وانتقل التواصل بعد ذلك إلى مكالمة مباشرة جمعت رضى العمدي بجيراندو بواسطة رشيد الراضي، الذي كان موجودا إلى جانب العمدي أثناء الاتصال، بينما ادعى جيراندو أنه غادر كندا ويوجد في منطقة الكاريبي. وخلال المكالمة، كرر العمدي طلبه حذف الفيديوهات، مؤكدا أن الاتهامات المتعلقة بتجارة المخدرات غير صحيحة، وأنه خرج حديثا من السجن، وأن استمرار تداول تلك المواد يضر بسمعته وسمعة أبنائه.
غير أن رد جيراندو كشف أن حذف الفيديوهات لم يكن مرتبطا بتصحيح المعلومات أو التحقق من الوقائع، بل بأداء مقابل. فقد خاطب رضى العمدي بصورة مباشرة قائلا: «غادي تساهم بحالك بحال خوتك»، في إشارة صريحة إلى ضرورة دفع المال على غرار أشخاص آخرين، هم أيضا تجار المخدرات.
كما أخبره بأن بحوزته معطيات خطيرة عنه، وأنه كان محظوظا لأنه سارع إلى التواصل معه قبل فوات الأوان، في صيغة تجمع بين التهديد الضمني وإشعار المستهدف بأن مصير الفيديوهات والمعلومات المنشورة أصبح مرتبطا بمدى استجابته للشروط المطلوبة.
وازدادت خطورة المكالمة عندما أكد جيراندو أنه لا يستجيب لمثل هذه الطلبات والاستجداءات دون مقابل، طالبا من رضى العمدي الاتفاق مع رشيد الراضي بشأن المبلغ الذي يتعين دفعه. وربط جيراندو حاجته إلى المال بمساعدته عددا من الأشخاص على الهجرة غير النظامية انطلاقا من تركيا، وهو ما يفتح الملف على أنشطة تتجاوز التشهير والابتزاز المالي.
ولا تتوقف معطيات الحلقة الثانية عند مساومة رضى العمدي، بل تكشف محادثة أخرى بين جيراندو ورشيد الراضي جانبا من طبيعة التنسيق القائم بينهما. ففي رسالة خاصة على الواتساب، طلب الراضي من جيراندو إيجاد حل يتيح له مغادرة المغرب والحصول على لجوء سياسي أو إنساني مهما كان الثمن، معبرا عن استعداده حتى لقبول الجنسية الإسرائيلية إن أتيحت له الفرصة، وبيع منزله والمقهى الذي يملكه من أجل الهجرة.
والأخطر أن رشيد الراضي لم يكتف بطلب المساعدة على الخروج من المغرب، بل اقترح على جيراندو الانتقال من عمليات الابتزاز الصغيرة إلى استهداف ملفات وأشخاص أكبر حجما، بما يسمح بتحقيق مداخيل مالية ضخمة. وتظهر المحادثة حديثه عن رغبته في ضمان مدخول يصل إلى مليار قبل نهاية العام، مؤكدا استعداده للانخراط إلى جانب جيراندو في هذه العمليات والعمل معه «بكل أريحية».
وبذلك ترسم التسريبات صورة واضحة لتوزيع الأدوار داخل هذه المنظومة؛ جيراندو يحدد الهدف ويمد وسيطه بالمعلومات الأولية، ورشيد الراضي يتولى تعقب الشخص وجمع التفاصيل الإضافية عنه واستدراجه إلى التواصل، ثم يعود جيراندو إلى استعمال الفيديوهات والاتهامات وسيلة للضغط، قبل إحالة المستهدف مجددا على الوسيط للتفاوض بشأن الحذف وتحديد المقابل.
وتسقط هذه المعطيات خطاب «محاربة الفساد» الذي يقدمه جيراندو إلى جمهوره. فالمعروض ليس عملا صحفيا أو استقصائيا يرمي إلى كشف الحقيقة، وإنما منظومة إجرامية منظمة تقوم على انتقاء الأهداف، وجمع المعلومات عنهم، والتشهير بهم، ثم فتح باب المساومة بواسطة وسطاء مقابل المال أو الخدمات، مع التخطيط لتوسيع العمليات نحو شخصيات وملفات أكبر لضمان أرباح أعلى.
إن خطورة هذه المعطيات تفرض فتح تحقيق جنائي موسع يشمل جميع التسجيلات والمحادثات والأرقام والحسابات والتحويلات المالية والأشخاص المرتبطين بالملف، فضلا عن تحديد هوية باقي الضحايا الذين جرى استهدافهم بالطريقة نفسها، ومراجعة الأدوار التي اضطلع بها الوسطاء في جمع المعلومات وترتيب الاتصالات وتحصيل الأموال.
كما لا تقع المسؤولية على السلطات المغربية وحدها، لأن جانبا أساسيا من هذه الأنشطة كان يدار انطلاقا من التراب الكندي. وعلى السلطات الكندية أن تتحمل مسؤولياتها القانونية والأمنية، لأن القضية لم تعد تتعلق بتشهير إلكتروني عادي، بل بشبكة منظمة تدير عمليات اصطياد وجمع معلومات وضغط ومساومة عبر الحدود، وتتحدث صراحة عن الأموال والهجرة غير النظامية واستهداف أشخاص داخل المغرب. وهي وقائع تستوجب تعاونا قضائيا وأمنيا بين المغرب وكندا لكشف الامتدادات الكاملة للشبكة وترتيب المسؤوليات الجنائية لكل المتدخلين فيها.



