النيابة العامة تفتح أبحاثا قضائية في أحداث سبتة.. التحقيقات تلاحق خيوط شبكات التضليل وعصابات الاتجار بالبشر

فتحت النيابة العامة المختصة أبحاثا قضائية بشأن مختلف الأفعال والوقائع المرتبطة بأحداث سبتة ومليلية، بما ينقل الملف من مرحلة الاحتواء الميداني إلى مسار قضائي يروم استجلاء الملابسات وتحديد المسؤوليات وترتيب الآثار القانونية. وجاء الكشف عن مباشرة هذه الأبحاث ضمن البلاغ الصادر عن وزارة الداخلية، الذي عرض المعطيات الرسمية المرتبطة بالأحداث والتدابير المتخذة لمواجهتها.

ويمنح فتح الأبحاث القضائية للملف بعدا يتجاوز محاولات العبور نفسها، بالنظر إلى ما كشفه البلاغ عن عوامل متعددة ساهمت في تأجيج الوضع، في مقدمتها الاستغلال المغرض للفضاء الرقمي، وترويج معلومات مضللة، ونشاط شبكات الاتجار بالبشر، إلى جانب التأويلات الخاطئة لبعض المعطيات القانونية والإدارية.

وبحسب وزارة الداخلية، فإن الأحداث لم تكن وليدة ظروف عفوية أو عوامل ظرفية، بل جاءت نتيجة تداخل هذه العناصر، بعدما جرى الترويج لإمكانية الوصول إلى الفضاء الأوروبي بسهولة ودون تبعات قانونية. كما أسهم تداول تأويلات مغلوطة لقرارات قضائية إسبانية، تتعلق بتقييد الإعادة الفورية في بعض حالات الاعتراض في عرض البحر، في ترسيخ الاعتقاد بإمكانية تفادي الإعادة عبر العبور سباحة.

ويفتح هذا المعطى المجال أمام الأبحاث لتتبع مختلف الأفعال المرتبطة بالأحداث، وفحص مسارات نشر المعلومات المضللة، وتحديد طبيعة الأدوار التي اضطلعت بها شبكات الاتجار بالبشر أو أي جهات وأشخاص يثبت ارتباطهم بالوقائع موضوع التحقيق. وسيظل تحديد المسؤوليات النهائية وترتيب الآثار القانونية من اختصاص السلطات القضائية، في ضوء نتائج الأبحاث الجارية.

وكانت السلطات العمومية قد اعتمدت، منذ المراحل الأولى، مقاربة استباقية قامت على الرصد المبكر، ورفع درجات اليقظة والتعبئة، وتعزيز جاهزية المصالح الأمنية والسلطات الترابية، مع تكثيف المراقبة البرية والبحرية. وأكد البلاغ أن هذه التدابير مكّنت من التحكم في مجريات الأحداث، وحماية الأرواح، وتأمين الحدود وصون النظام العام، مع احترام أحكام القانون ومبدأ التناسب في التدخل.

وكشفت المعطيات الرسمية أن العدد الفعلي للمشاركين في محاولات العبور غير النظامي بلغ نحو 40 ألف شخص في اتجاه سبتة، مقابل حوالي 1135 شخصا في اتجاه مليلية. كما أكدت الوزارة أن جميع الأشخاص الذين تمكنوا من الوصول إلى مليلية تمت إعادتهم في حينه، مشددة على أن هذه الأرقام تستند إلى منظومات المراقبة والتتبع الميداني، وتشكل المرجع الرسمي المعتمد.

أما الحصيلة البشرية، فبلغت، إلى حدود صدور البلاغ، حالة وفاة عرضية واحدة إثر السقوط من منطقة صخرية مجاورة لسبتة، إضافة إلى عشر حالات وفاة ناجمة عن الغرق. وأوضحت الداخلية أن قصر المسافة ومحدودية عمق المياه في بعض النقاط ولّدا شعورا مضللا بسهولة العبور، ما دفع عددا من المشاركين إلى الاستهانة بالمخاطر.

وتواصل السلطات المغربية، في إطار التنسيق الرسمي مع نظيرتها الإسبانية، التحقق من المعطيات المتداولة بشأن تسجيل وفيات أخرى داخل سبتة، وتحديد عدد الأشخاص المعنيين وهوياتهم وجنسياتهم. كما جرى فتح المعابر أمام الراغبين في العودة بمحض إرادتهم، وفق المساطر المعمول بها وبالتعاون مع الجانب الإسباني، وهو ما ساهم في عودة الأوضاع تدريجيا إلى طبيعتها.

وبذلك، لم يعد الملف مقتصرا على حصيلة محاولات العبور أو كيفية تدبيرها ميدانيا، بل أصبح موضوع بحث قضائي يروم تحديد كيف بدأت الأحداث، ومن ساهم في تغذية الوهم الرقمي الذي دفع آلاف الأشخاص إلى المخاطرة، وما إذا كانت وراء ذلك أفعال منظمة تستوجب المساءلة القانونية. والنتائج التي ستخلص إليها الأبحاث وحدها ستحدد طبيعة المسؤوليات وحدودها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى