حين يردد رئيس علماء إتحاد المسلمين رواية “الاحتلال الإسباني”.. المغرب الذي دافع عن الأندلس لا يحتاج دروسا في الوطنية

هناك لحظات لا يصبح فيها الصمت حكمة، بل تواطؤا مع تزوير التاريخ. وما صدر عن رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، عندما وصف سبتة بأنها “حدود أوروبا”، ليس مجرد زلة لسان، بل سقوط مدو في فخ الرواية الاستعمارية الإسبانية، وتنكر لحقيقة يعرفها كل من قرأ صفحة واحدة من تاريخ الغرب الإسلامي.
والأشد غرابة أن بعض المدونين العرب لم يكتفوا بترديد هذا الخطاب، بل ذهبوا أبعد من ذلك، فاتهموا المغرب بالصهيونية والعمالة، وصوروا إسبانيا في هيئة الضحية، وكأن الاحتلال الأوروبي لسبتة ومليلية أصبح فجأة قضية عادلة، فقط لأن المغرب هو الطرف المطالب بحقه.
قبل أن توزعوا الاتهامات، افتحوا كتب التاريخ.
أنتم تتحدثون عن سقوط الأندلس وكأن المغرب كان متفرجا، بينما الحقيقة أن المغرب لم يكن مجرد جار للأندلس، بل كان امتدادها السياسي والعسكري والحضاري. فحين ضعفت دويلات الطوائف، لم تأت جيوش من بغداد ولا من دمشق ولا من القاهرة لإنقاذها، بل عبر يوسف بن تاشفين البحر بجيش مغربي، وانتصر في معركة الزلاقة سنة 1086، وأنقذ الوجود الإسلامي في الأندلس لعقود طويلة. ثم جاء الموحدون، فوحدوا المغرب والأندلس تحت راية واحدة، وأصبحت مراكش عاصمة لدولة امتدت من أعماق الصحراء إلى إشبيلية وقرطبة وغرناطة.
كانت الأندلس، في مراحل طويلة، تدار من المغرب، وكان مصير الضفتين واحداً، وكانت دماء المغاربة تسيل على أرض الأندلس دفاعاً عنها، لأنها لم تكن أرضا غريبة، بل كانت جزءا من المجال الحضاري والسياسي للدولة المغربية.
لكن حين سقطت غرناطة، ماذا حدث؟ هل اتجهت الجيوش الإسبانية نحو المشرق؟ هل احتلت دمشق؟ هل دخلت القاهرة؟ كلا لقد عبرت مباشرة إلى المغرب.
بل إن المغرب بدأ يدفع الثمن قبل سقوط غرناطة بسبعة وسبعين عاما، عندما احتلت البرتغال مدينة سبتة سنة 1415، ثم احتلت إسبانيا مليلية سنة 1497، وبعدها توالت الهجمات على طنجة وأصيلة والعرائش ومازغان وغيرها من المدن المغربية.
إذن، من دفع ثمن سقوط الأندلس؟ المغرب. من تحول إلى خط المواجهة الأول مع المشروع التوسعي الإيبيري؟ المغرب.
من استقبل مئات الآلاف من المسلمين واليهود المطرودين من الأندلس، واحتضنهم ومنحهم الأمان؟ المغرب.
أما أولئك الذين يزايدون اليوم على المغرب باسم “الأمة”، فليجيبونا عن سؤال بسيط:
أين كانت هذه الأمة عندما كانت المدن المغربية تسقط الواحدة تلو الأخرى؟ من جاء لتحرير سبتة؟ من استعاد مليلية؟ من قاتل في طنجة وأصيلة والعرائش؟ من سالت دماؤه على أسوارها؟
لم تأت جيوش من الشرق، ولم تعقد مؤتمرات، ولم ترفع الشعارات. كان المغاربة وحدهم من يقاتلون، ووحدهم من يدفعون الثمن. ولم يكن هذا استثناءا في التاريخ.
في حرب الرمال سنة 1963، وجد المغرب نفسه يقاتل منفرداً، بينما اصطفّت أنظمة عربية إلى جانب الجزائر سياسياً وعسكريا.
وفي قضية الصحراء المغربية، اختارت دول عربية دعم أطروحات معادية للوحدة الترابية للمملكة، بينما آثرت أخرى الصمت، وهو في السياسة موقف لا يقل ضرراً عن الخصومة.
وفي أزمة جزيرة ليلى سنة 2002، فضلت بعض العواصم العربية الوقوف إلى جانب إسبانيا أو التزام الحياد، وكأن الدفاع عن سيادة المغرب ليس أولوية، هذه ليست رواية مغربية هذا تاريخ موثق.
ومع ذلك، لا يزال البعض يطالب المغرب بأن ينسى كل ذلك، وأن يقبل الدروس في الوطنية ممن لم يساندوه يوما في قضاياه المصيرية.
المفارقة المضحكة أن الذين يرفضون الاحتلال في فلسطين، يجدون كل المبررات للاحتلال الإسباني في سبتة ومليلية. أي منطق هذا؟
إذا كان الاحتلال جريمة، فهو جريمة أينما كان.
وإذا كان القانون الدولي يرفض الاستيلاء على الأرض بالقوة، فإن هذا المبدأ لا يتوقف عند شواطئ البحر الأبيض المتوسط.
إن وصف سبتة ومليلية بأنهما “حدود أوروبا” ليس مجرد خطأ في التعبير، بل تبن واع أو غير واع للرواية الاستعمارية الإسبانية، وإلغاء لقرون من التاريخ المغربي.
ولرئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين نقول قبل أن تتحدث عن سبتة، اقرأ تاريخها. وقبل أن تمنح الشرعية للاحتلال، تذكر أن العالم الإسلامي الذي تدعي الحديث باسمه لم يدفع ثمن سقوط الأندلس كما دفعه المغرب، ولم يخض المعارك التي خاضها المغاربة دفاعا عن الضفة الأخرى من البحر.
أما أولئك الذين يوزعون أوصاف “الصهيونية” و”العمالة” على كل من يختلف معهم، فإنهم يعجزون عن رؤية الحقيقة البسيطة المغرب لا يدافع عن أرض غيره، بل عن جزء من ترابه الوطني ما زال خاضعا لاحتلال أوروبي عمره قرون.
وإذا كان البعض قد نسي، فإن المغاربة لم ينسوا.
لم ينسوا أن سبتة احتلت قبل سقوط غرناطة، ولم ينسوا أن مليلية احتلت بعد سقوطها، ولم ينسوا أن المغرب كان آخر حصن وقف في وجه الزحف الإيبيري، وأنه دفع وحده فاتورة الدفاع عن الغرب الإسلامي.
لذلك، لا يحتاج المغرب إلى شهادة وطنية من أحد، ولا إلى دروس في التاريخ ممن يقرأونه بعين السياسة ويطوونه عندما تصبح الوقائع محرجة. فالتاريخ لا يرحم، والوثائق لا تجامل، والحقيقة تبقى أقوى من كل الشعارات.



