“ماتكيّدش”.. تفاعل واسع مع حملة أطلقها شباب مغاربة لتفكيك وهم الهجرة وكشف خبايا التحريض الرقمي بعد أحداث سبتة

أطلق شباب ونشطاء مغاربة على منصات التواصل الاجتماعي حملة رقمية واسعة تحت وسم #ماتكيدش، بهدف التحذير من دعوات الهجرة غير النظامية وكشف الصورة المضللة التي جرى تسويقها قبيل موجة العبور الأخيرة نحو مدينة سبتة المحتلة. ويحمل الشعار، المستمد من الدارجة المغربية، رسالة مباشرة إلى الشباب مفادها: لا تنسق وراء الأوهام، ولا تجعل مستقبلك رهينة دعوات مجهولة أو وعود لا تستند إلى الواقع.

وانتشرت الحملة من خلال تدوينات وملصقات ومقاطع فيديو باللغات العربية والفرنسية والإنجليزية، ركزت على ضرورة التحقق من مصادر الأخبار وعدم الانجرار وراء مجموعات مجهولة على شبكات التواصل تقدم الهجرة السرية باعتبارها طريقا سهلا نحو أوروبا. كما شددت منشورات عدة على أن حياة الشباب ومستقبلهم لا ينبغي أن يتحولا إلى أداة تستعملها شبكات التهريب أو الجهات التي تستثمر في الإحباط والتحريض على تحركات غير محسوبة.

ولقيت حملة “ماتكيّدش” تفاعلا واسعا ومتسارعا على منصات التواصل الاجتماعي، حيث أعاد نشطاء وصفحات شبابية ومدنية نشر رسائلها باللغات العربية والفرنسية والإنجليزية، مرفقة بمقاطع شهادات العائدين وملصقات تحذر من دعوات العبور المجهولة. وساهم توحيد المنشورات تحت الوسم نفسه في توسيع دائرة الحملة وتحويلها إلى موجة توعوية مضادة، أعادت توجيه النقاش من تمجيد الوصول إلى سبتة نحو كشف مخاطر التجربة والجهات التي استغلت المنصات الرقمية لنشر الأوهام واستدراج الشباب.

واستندت حملة “ماتكيدش” بصورة أساسية إلى شهادات شبان خاضوا تجربة العبور بأنفسهم، قبل أن يصطدموا بواقع مغاير تماما للصور الوردية التي سبقت الأحداث. وأظهرت مقاطع متداولة عائدين يتحدثون عن الازدحام والجوع والانتظار وانعدام أي ضمانة للإقامة أو الانتقال إلى أوروبا، فيما وجه أحدهم رسالة صريحة إلى أقرانه قائلا: “ما يجي حتى واحد”، مؤكدا أن ما وجده داخل سبتة لا يشبه ما قيل له قبل خوض المغامرة.

وفي شهادة أخرى، عبّر شاب عن ندمه على محاولة الهجرة غير النظامية واحتفل بعودته إلى المغرب، في مشهد قلب اتجاه الفرحة التي روجت لها مقاطع الوصول الأولى. كما تداول مشاركون في الحملة تصريحات لشبان آخرين تحدثوا عن شعورهم بأنهم داخل فضاءات مغلقة ومكتظة، متسائلين عن مصير “الجنة الموعودة” التي رسمتها الحسابات المحرضة قبل العبور.

وتكشف هذه الشهادات الفجوة بين لحظة الوصول التي تضخمها الخوارزميات، وبين ما يحدث بعد انطفاء الكاميرات. فالمقاطع التي أظهرت شبانا يصلون إلى شواطئ سبتة انتشرت بسرعة وجرى تقديمها باعتبارها دليلا على نجاح المغامرة، بينما غابت تفاصيل الاحتجاز والضغط على مرافق الاستقبال، وتعقيد المساطر القانونية، واحتمال الإرجاع، وغياب أي حق آلي في الإقامة أو تسوية الوضعية.

وحوّلت الحملة بذلك المنصات نفسها التي استُعملت في التحريض إلى مساحة للتوعية وكشف التضليل. فبدلا من الاكتفاء بخطاب أخلاقي عام، اعتمد المشاركون على صور العائدين وشهاداتهم المباشرة، ووجهوا نداءات إلى الشباب بعدم تسليم قراراتهم المصيرية لحسابات مجهولة أو مجموعات رقمية تقدم العبور وكأنه مغامرة عابرة بلا مخاطر.

وتتقاطع رسائل “ماتكيدش” مع ما كشفته السلطات الإسبانية بشأن الأسباب التي غذت التدفقات الأخيرة. فقد أكد رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز أن شبكات الاتجار بالبشر روجت تفسيرا مضللا لحكم قضائي حديث، وأوحت للشباب بأن الوصول إلى سبتة بحرا سيمنع إعادتهم. كما أشادت وزارة الداخلية الإسبانية بالتعاون المغربي، وأكدت أن قوات الأمن المغربية أحبطت آلاف محاولات العبور خلال الأيام الماضية.

وبذلك، تضع الحملة الأحداث في سياقها الحقيقي وهي أن شبكات تهريب استغلت حكما قضائيا، وحسابات ضاعفت انتشار التأويل المغلوط، وخوارزميات أبرزت مشاهد الوصول وأخفت مآلات التجربة. أما النتيجة، فكانت اندفاع شباب نحو البحر والسياج الحدودي تحت تأثير اعتقاد زائف بأن بلوغ سبتة يعني تلقائيا الوصول إلى أوروبا.

ولا تقوم حملة “ماتكيدش” على إدانة الشباب أو تجاهل دوافعهم الاجتماعية، بقدر ما تسعى إلى حمايتهم من تحويل الإحباط إلى قرار خطير لا رجعة فيه. فالهجرة غير النظامية لا تضمن عملا أو إقامة، وقد تنتهي بالغرق أو الاحتجاز أو الإرجاع، بينما يختفي المحرضون والمهربون فور بدء الرحلة ويترك الشاب وحده في مواجهة عواقبها.

وتكمن قوة الحملة في أن الرسالة لم تعد صادرة فقط عن مؤسسات أو جهات تحذيرية، وإنما عن شبان عاشوا التجربة وعادوا ليكشفوا حقيقتها. فبعد أن بدأت الأحداث بمقاطع تدعو إلى العبور، انتهت بمقاطع توثق الندم والعودة والتحذير. وبين المشهدين سقط جزء كبير من وهم الهجرة السهلة، وظهر صوت مضاد يقول للشباب بوضوح: لا تنخدعوا.. ماتكيدش.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى