من حلم العبور إلى فرحة الرجوع.. شهادات عائدين من سبتة تفضح وهم الهجرة وشبكات التحريض

سجلت مدينة سبتة المحتلة، خلال ليلة الخميس والساعات الأولى من صباح الجمعة، مغادرة أفواج كبيرة من المهاجرين غير النظاميين في اتجاه مدن شمال المملكة، في مشهد عكسي أنهى لدى كثيرين نشوة الوصول السريع، وكشف حجم الفجوة بين الصور الوردية التي سبقت موجة العبور والواقع الذي اصطدم به المتسللون داخل المدينة.
ووثقت مقاطع متداولة عودة عدد من الشباب سباحة نحو شواطئ الفنيدق، بينما غادر آخرون عبر المسالك البرية والمناطق الجبلية المحيطة، بالتزامن مع شروع السلطات المغربية والإسبانية في تفعيل إجراءات إرجاع من دخلوا سبتة بطريقة غير قانونية، سواء عبر البحر أو باجتياز السياج الحدودي.
غير أن التطور الأبرز لم يكن في مشاهد العودة وحدها، وإنما في الشهادات التي أدلى بها العائدون بعد تجربة قصيرة كانت كافية لتغيير نظرتهم بالكامل. فقد ظهر أحد الشباب وهو يعبر عن ندمه على خوض مغامرة الهجرة غير النظامية، قبل أن يحتفل بعودته إلى المغرب. كانت فرحته هذه المرة في الاتجاه المعاكس؛ فرحة بالخروج من التجربة والعودة إلى وطنه، بعدما اكتشف أن بلوغ سبتة لم يفتح أمامه الطريق الذي رسمته مقاطع التحريض والوعود المتداولة على المنصات الرقمية.
وفي شهادة أخرى أكثر مباشرة، أكد شاب عائد أن الواقع الذي وجده داخل سبتة لا يمت بصلة إلى ما قيل له قبل العبور، موجها رسالة صريحة إلى أقرانه: “ما يجي حتى واحد”. ولم تكن عبارته مجرد موقف عابر، بل خلاصة تجربة خاضها بنفسه، بعدما اكتشف أن الدخول إلى المدينة لا يعني الحصول على الإقامة، ولا يضمن الانتقال إلى أوروبا، ولا يقود تلقائيا إلى العمل والرفاه والاستقرار.
وبين الشهادتين تتضح الصورة التي غابت عن آلاف الشباب أثناء اندفاعهم نحو البحر والسياج الحدودي. فقد بدأت الموجة بمقاطع تشجع على العبور وتقدم سبتة كبوابة مفتوحة نحو مستقبل سريع، وانتهت بمقاطع أخرى توثق الندم والعودة والتحذير من تكرار التجربة. وبين البداية والنهاية انهارت السردية التي صنعتها الخوارزميات، حين ضُخمت مشاهد الوصول، وأُخفيت تفاصيل الاحتجاز والانتظار والاكتظاظ وانسداد الأفق القانوني أمام الداخلين بصورة غير مشروعة.
لقد جرى تسويق الهجرة غير النظامية بوصفها فرصة متاحة لا تحتاج سوى إلى الجرأة وقطع مسافة قصيرة في البحر، بينما كشفت الوقائع أن الوصول لا يمثل سوى بداية أزمة جديدة. فالشباب الذين اندفعوا تحت تأثير المقاطع المتداولة وجدوا أنفسهم داخل فضاءات مكتظة، وفي مواجهة إجراءات أمنية وقانونية لا تمنحهم الحق الآلي في البقاء أو تسوية أوضاعهم. وتحولت “لحظة الانتصار” التي صورتها بعض الحسابات إلى انتظار مجهول، ثم إلى بحث عن أقرب طريق للعودة.
وتكشف هذه النهاية أيضا طبيعة الدور الذي لعبته شبكات الاتجار بالبشر والجهات المحرضة على العبور. فهذه الشبكات لا تبيع تذكرة سفر بقدر ما تبيع وهما متكاملا، يبدأ بتضخيم أخبار الأحكام القضائية والثغرات القانونية، ويمر عبر مقاطع تصور العبور كأنه إنجاز مضمون، وينتهي بترك الشباب يواجهون وحدهم مخاطر الغرق والاعتقال والإرجاع. وهي تستفيد من كل موجة اندفاع، سواء عبر تحصيل الأموال أو توسيع دائرة تأثيرها، بينما يتحمل المهاجر وحده الكلفة الجسدية والنفسية والقانونية.
كما أظهرت الأحداث كيف يمكن لمقاطع قصيرة، خارجة من سياقها، أن تحول الإحباط الاجتماعي إلى اندفاع جماعي غير محسوب. فمشهد شخص نجح في بلوغ الشاطئ يُعاد نشره آلاف المرات، بينما تغيب صور من أعيدوا أو احتجزوا أو ندموا بعد ساعات. وهكذا تصنع المنصات انطباعا زائفا بأن النجاح هو القاعدة، مع أن الحقيقة التي ظهرت لاحقا تقول إن معظم الواصلين اصطدموا بواقع لا يشبه الوعود التي دفعتهم إلى المخاطرة.
العودة الجماعية من سبتة لم تكن مجرد حركة عكسية لمهاجرين قرروا التراجع، بل كانت انهيارا علنيا لسردية كاملة. فالشباب الذين استُخدمت صورهم في البداية لتغذية وهم “الهجرة السهلة” أصبحوا هم أنفسهم شهودا على سقوطه.
ومن داخل التجربة جاءت الرسالة الأكثر إقناعا: لا إقامة مضمونة، ولا جنة تنتظر خلف السياج، ولا مستقبل يصنعه مقطع تحريضي أو وعد يطلقه مهرّب. وما بقي بعد انطفاء الحماس هو ندم واضح، وعودة إلى الوطن، وتحذير صريح من إعادة إنتاج المغامرة نفسها.



