الأمن يُعلنها بوضوح من القليعة: المغرب ليس أرضا للفوضى

لم يكن التدخل الأمني الأخير الذي نفذته عناصر المركز الترابي للدرك الملكي بالقليعة، بتنسيق وثيق مع مصالح المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، مجرد عملية لإيقاف سبعة مشتبه فيهم ينحدرون من دول إفريقيا جنوب الصحراء، يشتبه في تورطهم في جرائم السرقة بالعنف وقطع الطريق والاتجار في المخدرات، بل كان رسالة دولة بامتياز: لا أحد فوق القانون، ولا مكان لأي شبكة إجرامية تحاول تحويل الأحياء أو الفضاءات العمومية إلى مناطق خارجة عن سلطة الدولة.
فالعملية، التي جاءت ثمرة عمل استخباراتي دقيق وتتبع ميداني محكم لتحركات أفراد هذه الشبكة، لم تقتصر على توقيف المشتبه فيهم، بل فتحت كذلك مسارا قضائيا تحت إشراف النيابة العامة المختصة، من أجل الكشف عن جميع الامتدادات المحتملة لهذه العصابة وتحديد باقي المتورطين المفترضين في أنشطتها الإجرامية. وهو ما يعكس مرة أخرى الطبيعة الاستباقية للمقاربة الأمنية المغربية، التي لا تكتفي برد الفعل، بل تسعى إلى تفكيك البنيات الإجرامية وتجفيف منابعها.
وتأتي هذه العملية في سياق حساس، بعدما شهدت بعض المدن المغربية خلال الأسابيع الأخيرة حوادث عنف واعتداءات تورط فيها بعض المهاجرين المنحدرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، سواء في مواجهات فيما بينهم أو في اعتداءات استهدفت مواطنين مغاربة. وهي أحداث، مهما ظل حجمها محدودا مقارنة بحجم الجالية الإفريقية المقيمة بالمغرب، فقد خلفت حالة من القلق والتوجس لدى جزء من الرأي العام، وأثارت نقاشا مشروعا حول ضرورة التطبيق الصارم للقانون على كل من يهدد الأمن العام، دون تمييز بين مواطن أو أجنبي.
ومن هنا تكتسب عملية القليعة أهميتها الحقيقية. فهي لا تمثل فقط نجاحا أمنيا في تفكيك شبكة إجرامية، وإنما تشكل أيضا جوابا عمليا على مخاوف المواطنين، وتؤكد أن الدولة لا تتعامل مع هذه الظواهر بمنطق التساهل أو الانتظار، بل بمنطق الحزم وسيادة القانون.
إن المغرب، الذي اختار منذ سنوات مقاربة إنسانية في تدبير ملف الهجرة، لم يجعل يوما من هذا الخيار الإنساني مبررا للتغاضي عن الجريمة أو للتسامح مع من يحاول استغلال وضعية الهجرة لممارسة الاعتداء أو الاتجار بالمخدرات أو ترويع المواطنين. فاحترام كرامة المهاجر شيء، والتصدي للمجرم شيء آخر. وبين الأمرين تقف دولة المؤسسات على مسافة واحدة، لا تحاكم الأشخاص بأصولهم أو جنسياتهم، وإنما بأفعالهم ومدى احترامهم للقانون.
وهنا يكمن جوهر دولة الحق والقانون: الأمن لا يشتغل بمنطق الهوية، بل بمنطق المسؤولية الجنائية. لذلك فإن أي محاولة لربط الجريمة بجنسية معينة تظل قراءة متسرعة، تماما كما أن التغاضي عن بعض الجرائم بدعوى الحساسيات الحقوقية يعد خطأ لا يقل خطورة. فالمعادلة السليمة هي حماية الحقوق، وفي الوقت نفسه حماية المجتمع من كل من يعتدي على أمنه واستقراره.
لقد أثبتت التجربة المغربية، مرة بعد أخرى، أن المؤسسة الأمنية ليست جهازا لتدبير الأزمات فحسب، بل صمام أمان يحافظ على توازن المجتمع في اللحظات التي يحاول فيها البعض بث الخوف أو اختبار هيبة الدولة. وما عملية القليعة إلا حلقة جديدة في سلسلة عمليات تؤكد أن الأجهزة الأمنية، بمختلف مكوناتها، تواصل الاشتغال وفق رؤية استباقية تجعل من تفكيك الشبكات الإجرامية أولوية دائمة، وليس مجرد رد فعل ظرفي.
وفي النهاية، قد تثير بعض الوقائع قلق المواطنين، وهو أمر مفهوم ومشروع، لكن الأهم هو أن يجد هذا القلق من يبدده بالفعل لا بالشعار. وهذا بالضبط ما تعكسه مثل هذه العمليات الأمنية النوعية، التي تؤكد أن المغرب لا يترك أمن مواطنيه رهينة للعصابات أو للفوضى، وأن هيبة القانون ليست شعارا سياسيا، بل ممارسة يومية على الأرض.
فحين تكون الدولة يقظة، وتكون مؤسساتها الأمنية حاضرة بالكفاءة والاحترافية نفسيهما اللذين أبانت عنهما في هذه العملية، يدرك الجميع أن الأمن في المغرب ليس صدفة، بل بناء مؤسساتي متين، وأن هذه الأرض كانت وستظل صخرة تتحطم عليها كل محاولات التسيب والإجرام وتحدي سلطة القانون.



