عندما تُحرق رايات الأوطان… تتكلم السياسة أكثر مما تتكلم كرة القدم

لم يكن مشهد “الحرق” الذي أعقب تأهل المنتخب المغربي إلى ربع نهائي كأس العالم 2026، إثر انتصاره المستحق على المنتخب الكندي بثلاثة أهداف دون مقابل، مجرد انفلات “جزائري” عابر في شوارع أوبيرفيلييه الفرنسية. فحين تمتد أيادي الغدر إلى راية دولة ذات سيادة من حجم المغرب، فإن الحدث يغادر حدود الملاعب ليصبح رسالة سياسية بامتياز، لأن الأعلام في العلاقات بين الأمم ليست مجرد قماش، بل هي التعبير الأسمى عن السيادة والهوية والكرامة الوطنية.
ولذلك، فإن إحراق العلم المغربي لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق السياسي الذي يطبع العلاقات المغربية- الجزائرية منذ سنوات. فمنذ أن دعا الملك محمد السادس، في أكثر من خطاب بمناسبة عيد العرش، إلى فتح صفحة جديدة بين البلدين، وأكد أن “اليد المغربية” ستظل ممدودة إلى الأشقاء في الجزائر، راهن المغرب على منطق الحوار، وعلى أن المستقبل المغاربي لا يمكن أن يُبنى إلا بالتعاون، لا بالقطيعة، وبحسن الجوار، لا بمنطق الاستنزاف الدائم.
غير أن هذه المبادرات لم تلق يوما تجاوبا يوازيها من الجانب الجزائري. فقد بقي الجمود سيد الموقف، واستمرت القطيعة السياسية، وتواصلت لغة التصعيد في ملفات عديدة، الأمر الذي جعل الهوة بين خطاب الانفتاح المغربي والواقع السياسي المظلم في بلاد العساكر ما زالت واسعة وسحيقة.
وعندما تُستهدف الراية المغربية في مناسبة رياضية دولية، يصبح من المشروع التساؤل: هل نحن أمام مجرد انفعال كروي، أم أمام انعكاس لمناخ سياسي وإعلامي ظل، لسنوات، يؤطر صورة المغرب باعتباره خصما دائما يتوجب القصاص منه؟. الخطابات العامة حين تُبنى على منطق المواجهة، لا تبقى حبيسة البيانات الرسمية أو المنابر الإعلامية، بل قد تجد – وهو ما جرى أمس- ترجمة متطرفة في الشارع، حيث يتحول الرمز الوطني إلى هدف، ويتحول الانتصار الرياضي إلى ذريعة لتفريغ مشاعر العداء.
إن الرياضة، في أصلها، مساحة لتقريب الشعوب، لكنها تتحول إلى مرآة للتوترات السياسية عندما تُثقلها حسابات الكراهية المجانية. وحين يصبح فوز منتخب مناسبة لحرق علم بلده، فإن الخلل لا يكمن في نتيجة مباراة، بل في البيئة التي تجعل من نجاح الجار سببا للغضب بدل أن يكون مناسبة لاحترام قواعد التنافس الشريف.
لقد اختار المغرب، خلال العقدين الأخيرين، أن يجعل من الإنجاز لغته الأساسية؛ فحقق حضورا لافتا في الدبلوماسية، ووسع شراكاته الدولية، ورسخ موقعه في القارة الإفريقية، وراكم نجاحات رياضية جعلته يحظى باحترام العالم. ولم يكن ذلك ثمرة خطاب عدائي، بل نتيجة رؤية تقوم على الاستثمار في الاستقرار والانفتاح والعمل.
أما الأفعال التي تستهدف الراية المغربية، فهي، مهما كانت دوافع مرتكبيها، لا تنال من مكانة المغرب، بقدر ما تثير أسئلة حول أثر استمرار مناخ “الخصومة” في إنتاج ممارسات تتجاوز حدود الاختلاف السياسي إلى المساس برموز الدول. فالأمم الواثقة من نفسها تحتفي بإنجازاتها، ولا تجعل من إنجازات غيرها مبررا للحقد أو للإساءة إلى الرموز الوطنية.
لقد بقيت اليد المغربية ممدودة، بوصفها تعبيرا عن قناعة إستراتيجية بأن مستقبل المغرب العربي لا يمكن أن يُبنى إلا بالتعاون والاحترام المتبادل. غير أن اليد “المولوية” الممدودة، لم يكن ليطول انتظارها، لأنها لا تستطيع وحدها أن تصنع المصالحة إذا لم تجد يدا أخرى تؤمن بأن الجغرافيا المشتركة قدر، وأن حسن الجوار خيار حضاري لا ضعف سياسي.
وفي النهاية، قد تُحرق راية في لحظة “غل”، لكن ما يبقى في ذاكرة التاريخ ليس ألسنة اللهب، بل الخيارات التي تتخذها الدول في إدارة خلافاتها. فالدول التي تراهن على البناء تصنع المجد، أما الذين يجعلون من رموز الآخرين ساحة لتصريف الخصومات، فلن يتركوا وراءهم سوى رماد لحظة عابرة، بينما تظل الأوطان أكبر من النار، وأبقى من الكراهية.



