لقجع يكشف أسرار المشروع الكروي المغربي.. الرؤية الملكية وطموح التتويج بكأس العالم وكواليس الكاف

كشف فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، عن عدد من كواليس المشروع الكروي الوطني والملفات التي أثارت نقاشا واسعا خلال السنوات الأخيرة، مؤكدا أن التحول الذي تعيشه كرة القدم المغربية ليس نتيجة ظرفية أو حصيلة بطولة واحدة، بل ثمرة رؤية ملكية متكاملة أرساها جلالة الملك محمد السادس، وجعلت من التكوين والبنيات التحتية والاستثمار في المواهب أساسا لبناء نموذج رياضي قادر على المنافسة في أعلى المستويات.
وقال لقجع، خلال حوار مطول ضمن بودكاست «مغارب» الذي يقدمه الإعلامي محمد الرماش على منصة «الجزيرة 360»، إن المشروع الكروي المغربي يستمد قوته من الرؤية الاستراتيجية لجلالة الملك، التي لم تحصر الرياضة في النتائج الآنية، وإنما تعاملت معها باعتبارها مجالا للتنمية وتأهيل الشباب وتعزيز إشعاع المملكة قاريا ودوليا.
وأوضح أن المنشآت والتجهيزات الرياضية التي بات المغرب يتوفر عليها، إلى جانب منظومة التكوين واكتشاف المواهب، تندرج ضمن مسار انطلق منذ سنوات بتوجيه ملكي واضح، قبل أن تبدأ نتائجه في الظهور عبر مختلف المنتخبات الوطنية والفئات العمرية، وفي الحضور المتزايد للأندية والمنتخبات المغربية في المنافسات القارية والدولية.
وأكد لقجع أن الطموح الذي يتحرك به المنتخب الوطني لم يعد يقتصر على بلوغ الأدوار المتقدمة، بل أصبح مرتبطا بالمنافسة الفعلية على لقب كأس العالم، معتبرا أن التتويج العالمي يمثل نتيجة منطقية للمسار الذي اختاره المغرب ولحجم الاستثمار الذي جرى إنجازه في تأهيل كرة القدم الوطنية.
ولا يقوم هذا الطموح، وفق رئيس الجامعة، على خطاب تحفيزي ظرفي، بل يستند إلى مشروع طويل المدى يشمل التكوين والبنيات التحتية واستقطاب المواهب وتطوير المنتخبات بمختلف فئاتها. واعتبر أن الجيل الحالي يتوفر على المقومات التي تسمح له بمنافسة أقوى المنتخبات، في ظل التحول الذي عرفه موقع المغرب داخل الخريطة الكروية الدولية.
اللاعبون دخلوا المونديال دون نقاش حول المنح
ومن بين النقاط التي توقف عندها لقجع مسألة التحفيزات المالية، إذ أكد أن لاعبي المنتخب المغربي توجهوا إلى كأس العالم دون أن يكون موضوع المنح والتعويضات محور نقاش داخل المجموعة.
وتساءل لقجع عن طبيعة الإغراء المالي الذي يمكن تقديمه للاعبين من مستوى أشرف حكيمي أو إبراهيم دياز، اللذين ينشطان في أعلى مستويات كرة القدم الأوروبية، مشددا على أن قرار تمثيل المنتخب المغربي يرتبط بالمشروع الرياضي والانتماء والروابط العائلية والثقافية، وليس بالمقابل المالي.
وتعكس هذه التصريحات، بحسب رئيس الجامعة، تحولا في صورة المنتخب لدى اللاعبين المغاربة المولودين أو المتكونين في الخارج، بعدما أصبح حمل القميص الوطني اختيارا رياضيا تنافسيا، وليس مجرد استجابة عاطفية مرتبطة بالأصول العائلية.
العائلات جزء من الإعداد النفسي
وتحدث لقجع أيضا عن حضور عائلات اللاعبين بالقرب من المنتخب خلال كأس العالم، موضحا أن وجود الآباء والأمهات يوفر دعما نفسيا وعاطفيا مهما في بطولة طويلة تتسم بضغط تنافسي كبير.
وأشار إلى أن بعض المنتخبات تعتمد على أطقم واسعة من الأطباء والمتخصصين النفسيين، بينما تستثمر المقاربة المغربية، إلى جانب التأطير المهني، في قوة الروابط الأسرية ودورها في تحقيق التوازن النفسي للاعب.
ويعكس هذا الاختيار رؤية تعتبر أن إعداد اللاعب لا يقتصر على الجوانب البدنية والتكتيكية، بل يشمل محيطه الإنساني والاجتماعي وقدرته على التعامل مع الضغط المصاحب للمنافسات الكبرى.
كواليس اختيار لامين يامال وأيوب بوعدي
وكشف رئيس الجامعة عن تفاصيل المحاولات التي قام بها المغرب لإقناع لامين يامال بتمثيل المنتخب الوطني، موضحا أنه كان على تواصل مع اللاعب وأنه استقبل أفرادا من عائلته شخصيا، قبل أن يختار نجم برشلونة اللعب للمنتخب الإسباني.
وقال لقجع إن يامال أبلغه برغبته في تمثيل إسبانيا، مؤكدا احترامه لهذا القرار، قبل أن يعبر عن أمله في مواجهة المنتخب الإسباني في نهائي كأس العالم، حتى يتضح للاعب، على أرضية الميدان، مدى صواب اختياره.
كما تحدث عن متابعة الجامعة لملفات اللاعبين مزدوجي الجنسية بصورة مباشرة، ومن بينهم أيوب بوعدي، مشيرا إلى أنه انتقل شخصيا إلى فرنسا للقائه وعرض المشروع الرياضي المغربي عليه، في إطار سياسة تقوم على الحوار المباشر وتقديم رؤية واضحة للاعب وعائلته.
وتكشف هذه المعطيات أن عملية استقطاب المواهب لم تعد تقوم على اتصالات متأخرة تسبق إعلان اللوائح، وإنما أصبحت جزءا من عمل استباقي يتابع اللاعبين منذ مراحل مبكرة ويشرح لهم مكانتهم داخل المشروع الكروي الوطني.
رد على اتهامات “النفوذ المغربي” داخل الكاف
وفي أحد أبرز محاور الحوار، رفض لقجع الروايات التي تتحدث عن وجود نفوذ مغربي يتحكم في قرارات الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم، مؤكدا أن المغرب لا يتوفر على موظف واحد داخل الإدارة الداخلية للكاف.
وأوضح أن المملكة لا تترأس اللجان المكلفة بتدبير المسابقات أو التحكيم، وأن القرارات داخل المؤسسة القارية تتخذ وفق الآليات المعتمدة وبمشاركة ممثلي مختلف الاتحادات.
وتساءل لقجع عن النتائج التي يفترض أن يكون المغرب قد حققها بفضل هذا «النفوذ»، معتبرا أن الحديث عنه يفتقد إلى دليل عملي، وأن الحضور المغربي داخل كرة القدم الإفريقية يرتبط أساسا بالعمل والاستثمار في البنيات الرياضية والمساهمة في تنظيم المسابقات التي تعجز دول أخرى عن احتضانها.
كما اعتبر أن جودة التنظيم المغربي للتظاهرات القارية أحرجت من اعتادوا على تنظيمات محدودة، بعدما رفعت المملكة معايير الاستقبال والملاعب والإقامة والتدبير اللوجستي داخل القارة.
نهائي الكان ضد السنغال
وعاد رئيس الجامعة إلى الجدل الذي رافق نهائي كأس إفريقيا أمام السنغال والاتهامات التي وجهت إلى المغرب بشأن التأثير في مجريات المسابقة.
وقال لقجع، ردا على التصريحات التي تحدثت عن وجود ترتيبات مسبقة لفوز المنتخب المغربي، إنه لو كان بإمكان المغرب التحكم في النتيجة لحسم المباراة منذ الدقيقة الرابعة عشرة، بدلا من الانتظار إلى اللحظات الأخيرة، ولما اضطر قبل ذلك إلى مواجهة نيجيريا والمرور عبر ركلات الترجيح.
ويقدم هذا الرد تناقضا عمليا مع الرواية التي حاولت تفسير كل قرار تحكيمي أو تنظيمي باعتباره نتيجة لنفوذ مغربي، في وقت خاض فيه المنتخب الوطني مباريات صعبة ظل مهددا خلالها بالإقصاء إلى آخر اللحظات.
وأكد لقجع أن المغرب تعامل مع الأزمة وفق القوانين والهيئات المختصة، بعيدا عن الخطاب الانفعالي الذي رافق المباراة، مع الحفاظ على علاقاته الرياضية مع الدول الإفريقية.
المغرب لن يواصل استضافة البطولات الإفريقية
وأعلن لقجع أن المغرب لن يتقدم مستقبلا بصورة تلقائية لاستضافة كل مسابقة إفريقية لا تجد دولة راغبة في تنظيمها.
وأوضح أن المملكة تدخلت في مناسبات متعددة لإنقاذ مسابقات، خصوصا بطولات الفئات السنية، عندما لم تتقدم أي دولة بطلب استضافتها، رغم أن هذه المنافسات لا تحقق عائدات مالية مهمة ولا توفر مردودية اقتصادية توازي تكاليف تنظيمها.
وأكد أن المغرب قام بذلك انطلاقا من التزامه بخدمة كرة القدم الإفريقية وتوفير فضاءات التنافس أمام المواهب الشابة، لكنه أشار إلى أن استمرار هذا الوضع لا يمكن أن يتحول إلى قاعدة تجعل المملكة مطالبة دائما باحتضان ما ترفض بقية الدول تنظيمه.
ملف مونديال 2010 و”مهزلة” التصويت
وتطرق لقجع إلى ملف ترشح المغرب لاستضافة كأس العالم 2010، مؤكدا أن المملكة كانت قريبة جدا من الفوز بحق التنظيم، قبل أن تقع في اللحظات الأخيرة أمور وصفها بالمثيرة للجدل.
واعتبر أن طريقة تدبير التصويت شكلت «مهزلة حقيقية» أضرت بصورة الاتحاد الدولي لكرة القدم، مشددا على أن المغرب لم يكن يطالب سوى باحترام القانون وضمان نزاهة العملية.
وتكتسب هذه التصريحات أهميتها من ارتباطها بمرحلة شهدت لاحقا فتح ملفات فساد واسعة داخل «فيفا» والتحقيق في طرق منح عدد من نسخ كأس العالم، وهو ما أعاد طرح أسئلة قديمة بشأن الظروف التي أحاطت بخسارة الملف المغربي.
تنظيم مونديال 2030
وبشأن الاستعدادات لتنظيم كأس العالم 2030 بصورة مشتركة بين المغرب وإسبانيا والبرتغال، أكد لقجع أن اختيار المدن التي ستحتضن المباريات لم يحسم بشكل نهائي.
وأوضح أن العملية ستخضع لمعايير تقنية تحددها لجنة مستقلة داخل الاتحاد الدولي، وتشمل جاهزية الملاعب والبنيات التحتية والقدرة الاستيعابية والخدمات اللوجستية ومتطلبات استقبال المنتخبات والجماهير.
وأضاف أن النقاش الجاري بين الدول الثلاث يركز على توزيع المباريات والجوانب التنظيمية، مؤكدا في الوقت ذاته سعي المغرب إلى احتضان المباراة النهائية، معتبرا أن توزيع المواجهات ينبغي أن يراعي طبيعة الملف المشترك وامتداده بين قارتين.
وبدا من مجمل الحوار أن لقجع أراد التأكيد أن المكانة التي بلغتها الكرة المغربية لا يمكن فصلها عن الرؤية الملكية التي وضعت الأسس الأولى لهذا التحول، ووفرت له الاستمرارية والإمكانات الضرورية، قبل أن تتحول النتائج الرياضية إلى انعكاس عملي لمشروع أشمل.
فالمسار، كما قدمه رئيس الجامعة، لم يبدأ من إنجاز مونديال قطر أو من تنظيم البطولات القارية، بل من قرار استراتيجي جعل التكوين والبنية التحتية وتأهيل العنصر البشري محاور ثابتة في السياسة الرياضية للمملكة. ومن هذا المنطلق، انتقل المغرب من البحث عن مشاركة مشرفة إلى إعلان التتويج بكأس العالم هدفا مشروعا وقابلا للتحقق.



