حسن بناجح وجماعته يستكثران على الفلسطينيين أن ينعموا بالأمن والاستقرار

في زمن صار فيه الضجيج عملة رائجة، والغضب سلعة موسمية تسوّق بخوارزميات المنصات، يخرج علينا حسن بناجح متقمصا دور الضمير الكوني، كأن التاريخ أوصى له بوصية سرية لم يطلع عليها سواه. يقف شامخا فوق منبر افتراضي، يلوح بالكلمات كما لو كانت سيوفا، مجرد إستعراض عضلي للحناجر، أما حين يطلب منه عقل يدير المعنى، فلا يُسمع سوى خشخشة فراغ.

يتحدث بثقة العارف ببواطن الأمور، كأن مفاتيح القرار الدولي مودعة في جيبه الخلفي، ثم لا يفعل أكثر من إعادة تدوير خطاب مشحون بالإنشاء، مغموس في التخوين، ومطعم بجرعات مكثفة من التعالي الأخلاقي. يهاجم الدبلوماسية لأنها هادئة، وكأن الرصانة عيب خلقي، ويزدري البراغماتية لأنها لا تصفق لنبرته، وكأن السياسة مطالبة بأن تؤدي قسم الولاء لمزاجه الشخصي.

في معجمه الخاص، كل خطوة محسوبة تهمة، وكل قراءة متأنية للمصالح خيانة موصوفة، وكل محاولة لفتح ثغرة في جدار الأزمة استسلام معلن. أما هو، فيرتاح إلى بطولات لفظية لا تكلفه سوى حنجرة سليمة واتصالا جيدا بالإنترنت. يندد بالواقعية كما لو كانت وباءا فكريا، لكنه حين يسأل عن البديل، يكتفي بابتسامة الواثق ويعيد تشغيل أسطوانة الاحتقان.

يعيب على الدولة أنها تفاوض، لكنه لا يخبرنا كيف تدار الصراعات بالقبضات المرفوعة في صور الغلاف. يسخر من الحسابات الدقيقة، لكنه لا يجرؤ على تقديم حساب واحد قابل للتطبيق. ينتقد المؤسسات لأنها لا تتكلم بلهجته، وكأن معيار الصواب هو تطابق النبرة مع صوته. هكذا تختزل القضايا الكبرى في مسرحية بطلها الأوحد، جمهورها متحمس، ونهايتها مؤجلة إلى ما بعد العاصفة الرقمية.

أما القضية الفلسطينية، بما تحمله من جراح مفتوحة وتعقيدات تاريخية، فتتحول في خطابه إلى جهاز كشف ولاء. من لا يردد عباراته كما صيغت في منشوره الأخير، يصنف في خانة الخيانة دون محاكمة. من لا يرفع السقف إلى حد الاصطدام العبثي بالجدار، يتهم بالتهاون. وكأن التضامن يقاس بديسيبل الصوت، لا بعمق الأثر. وكأن الأمم تحررت يوما لأن خطباءها كانوا الأعلى صراخا.

يتحدث عن الكرامة والسيادة بلهجة الوصي على الضمائر، ثم لا يتردد في تقويض صورة مؤسسات بلده كلما لمح فرصة لالتقاط تصفيق سريع. يدعو إلى حماية المصلحة الوطنية، لكنه يتعامل مع الدولة كخصم أبدي لا كشريك في مسؤولية معقدة. يرفع شعار المحاسبة بيد، ويخبئ سؤال البديل باليد الأخرى. نقده جاهز، أما مشروعه فمؤجل إلى إشعار آخر، ربما حين تنضج التعليقات.

الوطنية عنده موجة غضب مستدامة، حالة استنفار دائم، كأن الهدوء خيانة والانفعال فضيلة. والحال أن الوطنية، إن كانت شيئا، فهي قدرة على تحمل كلفة القرار، لا الاكتفاء بلذة الاعتراض. هي صبر ثقيل، لا ومضة غضب عابرة. هي إدارة تناقضات، لا اختزال العالم في ثنائية ملائكة وشياطين.

قد يربح بناجح جولات في فضاء افتراضي سريع الاشتعال، وقد يحصد إعجابات تلمع كالألعاب النارية، لكنها تنطفئ بالسرعة ذاتها. وحين يطلب منه أن ينزل من منصة الخطابة إلى طاولة التخطيط، يتبدد البريق، ويظهر الفراغ الذي حاول الصراخ ستره. لا يكشف ضعفا في الدبلوماسية التي يهاجمها بقدر ما يكشف حدود خطابه، حيث تنتهي البلاغة ويبدأ سؤال الفعل.

القضايا العادلة لا تحتاج إلى أوصياء يوزعون صكوك الوطنية، بل إلى عقول تعرف أن السياسة ليست مباراة في الحدة، ولا مسابقة في تخوين المخالف. بين رجل دولة يحسب كلفة الكلمة قبل أن ينطق بها، ورجل منصة يحسب عدد المشاهدات قبل أن يضغط نشر، مسافة لا تختصرها الحناجر مهما ارتفعت. الصراخ قد يدوي، لكنه لا يبني سياسة، والمرآة حين توضع أمام الخطاب المتورم، لا تعكس إلا حجمه الحقيقي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى