ربط المغرب ببرنامج بيغاسوس من جديد: لا قيمة تُذكر لاجتهاد “إعلامي” في وجود نص قضائي صريح

في خضم إعادة نشر اتهامات قديمة تزعم تورط المغرب في اختراق هاتف رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز عبر برنامج ببرنامج “بيغاسوس” الإسرائيلي الصنع، خلال زيارته الرسمية إلى سبتة ومليلية بتاريخ 18 ماي 2021 مرفوقا بوزير الداخلية فرناندو كراندي مارلاسكا، يفرض منطق القانون قبل أي شيء آخر نفسه كمرجعية حاسمة في تقييم الوقائع. فالقضية التي تدفع بها، مجددا، الصحيفة الإسبانية The Objective صوب الواجهة الإعلامية، سبق أن حُفظت مرتين، آخرها في يناير 2026، من قبل المحكمة الوطنية الإسبانية باعتبارها أعلى هيئة قضائية بالبلاد، بعد مسار تحقيقي طويل وصفه القاضي خوسيه لويس كالاما، آنذاك، بـ “العجز التحقيقي” لغياب معطيات تسمح بإسناد الفعل التجسسي إلى المغرب.

وبالتالي، فإن قرار من هذا النوع تُصدره مؤسسة قضائية أجنبية ليس برأي سياسي أو تقدير إعلامي، بل هو عصارة قانونية تستند إلى معايير الإثبات المعتمدة في دولة مؤسسات تحتكم إلى نص القانون وليس الاجتهاد الإعلامي “الممول” بشكل مشبوه. وأي تجاوز لهذا المعطى الجوهري والعودة إلى ترويج الاتهام ذاته دون تقديم أدلة قضائية دامغة يطرح تساؤلا مشروعا حول طبيعة الدوافع الكامنة وراء هذا الإحياء المفاجئ؟!!

بل الأكثر إثارة للانتباه أن الجدل الدائر يتجاهل سياق إسباني داخلي بالغ الحساسية، يتمثل في فضيحة ال Catalangate، حيث استُخدم برنامج “بيغاسوس” التابع لمجموعة NSO Group الإسرائيلية، ضد أكثر من 65 شخصية من قادة تيار الحركة الانفصالية بكتالونيا. هذه القضية لم تكن اتهاما خارجيا، إنما كانت ولا تزال أزمة داخلية هزّت أركان الدولة نفسها، وأفضت إلى مساءلات سياسية وأمنية عميقة لأنا تمت بمباركة من أجهزة الدولة “العميقة” هنالك.

ورغم خطورة ما كُشف وقتذاك، فقد رُفض مقترح تشكيل لجنة تحقيق برلمانية داخل مجلس النواب بفضل تصويت أحزاب PSOE وPP وVOX ثم Ciudadanos، فيما عُهد بالملف إلى لجنة الأسرار الرسمية، ما أبقى كثيرا من التفاصيل خارج النقاش العلني. في هذا المستوى، يصبح من المشروع لنا التساؤل: هل تشابكت كل خيوط الحقيقة داخليا قبل إعادة توجيه بوصلة الاتهام نحو الخارج وباتجاه المغرب تحديدا؟؟

ثم إن تطورا مفصليا آخر لا يمكن القفز عليه يخص إقالة باز إستيبان، مديرة المركز الوطني للاستخبارات (CNI) شهر ماي 2022، على خلفية استخدام برنامج التجسس موضوع الجدل ضد زعماء الانفصال بكتالونيا وأعضاء من الحكومة الإسبانية نفسها. القرار المذكور لم يكن نتيجة ضغط خارجي، بل كان إقرار بوجود إشكال داخلي في إدارة واستخدام أدوات التجسس. وإذا كانت الدولة الإسبانية قد اعترفت رسميا باستخدام البرنامج في إطار عمل أجهزتها، فإن فرضية “الاختراق الخارجي” تظل زوبعة في فنجان يصعب حصرها بعكس اتجاه الرياح.

وفي مقابل الأجواء المشحونة في الضفة الأيبيرية، ظل المغرب متشبثا ببراءته من كافة الأباطيل المنسوبة له براءة الذئب من دم يوسف حيث كرر نفيه – في محطات متواترة- امتلاك أو استخدام برنامج “بيغاسوس”. وبين نفي مغربي “رسمي” من جهة، واعتراف إسباني “رسمي” بالاستخدام من جهة أخرى، يظل معيار الحسم هو القضاء لا الانطباع.

وحتى الآن، لا يوجد حكم قضائي يُدين المغرب أو يثبت تقنيا مسؤوليته عن الاختراق المزعوم. أما الحديث عن أجهزة أو سيناريوهات تقنية مفترضة، مهما بدت متماسكة نظريا، فلا ترقى قانونيا إلى مستوى الإثبات ما لم تُطعم بأدلة مادية قاطعة.

واسترسالا في ذات الموضوع، فإن توقيت إعادة إثارة الملف لا يمكن عزله عن السياق السياسي الأرحب، خاصة في ظل المفاوضات متعددة الأطراف التي احتضنتها مدريد مؤخرا للتباحث حول تنزيل مخطط الحكم الذاتي بالصحراء المغربية!!. ففي العلاقات الدولية كثيرا ما تتقاطع الملفات الأمنية مع الحسابات السياسية “الضيقة”، ويصبح استدعاء قضايا مغلقة أداة ضغط أو إعادة تموقع في لحظات دقيقة. غير أن توظيف الإعلام الإسباني “الغير مستقل” تماما، وإن بدا عكس ذلك من خلال “شعار” فلسفته “التحريرية”، لإعادة إنتاج اتهام حُسم قضائيا لا يُغير من جوهر المعادلة: الحقيقة القانونية لا تُبنى على التكرار بل تفرض نفسها بالقرائن التي لا يُشق لها غبار.

وفي الختام، تُقاس قوة أي اتهام بصلابة ما يسنده من حجج مثبتة، لا بحدة الخطاب المصاحب له. وفي غياب مستجد قضائي نوعي يعيد فتح الملف على أسس قانونية جديدة، تظل محاولة إلصاق التهمة على جبين المغرب أقرب إلى سردية “إعلامية” منها إلى حقيقة قضائية. وبين حكم القضاء وضجيج العناوين البراقة، يبقى الفيصل هو الوثيقة القضائية لا المقال الصحفي المنزوعة عنه صبغة العقلانية والغارق في جب الأهواء و المناورات التي لا تنتهي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى