هشام جيراندو: تحركات مشبوهة تُساءل في العمق موقفه الحقيقي من قضية الصحراء المغربية (كاريكاتير)

في القضايا السيادية، لا تُقرأ المواقف فقط من خلال التصريحات المعلنة، بل أيضا من خلال السلوك والاختيارات ثم طبيعة التحركات التي تحيط بالخطاب. فقضية الصحراء المغربية، بما تحمله من حساسية سياسية وتاريخية تجعل أي انزلاق بمحاذاتها قابل للتأويل ولتصنيف أصحابه. وأي غموض يغدو محل مساءلة مشروعة.

في هذا السياق، تثير بعض التحركات الأخيرة للعدمي هشام جيراندو نقاش يتجاوز مسألة التشهير الاعتباطي أو التسرع في تداول المعطيات، ليصل إلى سؤال أعمق حول الخلفيات الممكنة لهذه السلوكيات، وما إذا كانت تعكس مجرد سوء تقدير، أم أننا أمام توجه سياسي ملتبس تجاه قضية وطنية تُأَلف بين قلوب المغاربة من طنجة إلى الكويرة.

فخلال أواخر شهر غشت المنصرم، جرى الترويج “وهميا” لرواية عن “مشروع استخباراتي” مزعوم في الصحراء المغربية باعتباره الأكبر في شمال إفريقيا، مع ربطه بتمويل خارجي وإشراف أمني رفيع المستوى وما يعنيه ذلك من إقحام مباشر لملف الوحدة الترابية. طبعا المسار اقتضته الضرورة لا من باب التخيل، وإنما من باب الواجب الوطني الذي قاد مغربي قُح لتقديم نفسه كضابط استخبارات يُدعى عبد الحميد السلماوي للإيقاع بهشام جيراندو، واحد من أهم المطلوبين للعدالة المغربية المُتوارين عن الأنظار بدولة كندا.

المشروع الوهمي وما يَحفه من مخاطر قد تعصف بالمنجز في ملف وحدتنا الترابية يقتضي من أي عاقل أن يأخذ مسافة أمان معتبرة ولسان حاله يقول: “الصحراء هادي ماشي اللعب”، ويطرح بدل السؤال أسئلة لاستجلاء مصادر وقنوات تصريف المعلومات المعروضة عليه على طبق من ذهب دون أن يتكلف عناء البحث عنها. لماذا جيراندو تحديدا؟؟ هل لأنه فعلا صوت الشعب كما يحلو له توصيف دكانه العدمي “تحدي”؟؟ أم أن الرجل فأر تجارب يسهل تلقيحه دون أن يُبدي مقاومة تُذكر لأن جينات الخيانة هي المحرك الأساس‼

عوض التحقق باعتباره المدخل الطبيعي للتعاطي مع مثل هذه المعلومات “الاستخباراتية”، ساد منطق آخر، قائم على التعامل مع الواقعة بعقلية “المعروضة من الخير”. بل الأنكى من ذلك، جيراندو الذي لا يُساوي فلسا في سوق النخاسة العدمية انتقل مباشرة إلى التفكير في كيفية استثمار ملف الصحراء. هذا السلوك، حين يتعلق بقضية عادية قد يُصنَّف ضمن أخطاء الممارسة الغوغائية، لكنه حين يرتبط بملف الصحراء المغربية فإنه يكتسب دلالة سياسية حساسة نتعامل معها بما أرخه التاريخ على لسان الملك محمد السادس بمناسبة خطاب الذكرى الـ34 للمسيرة الخضراء (2009)… “وقت ازدواجية المواقف قد انتهى، فإما أن يكون المواطن مغربيا أو غير مغربي”.

ويزداد هذا الالتزام رسوخا حين تستدعي لنا الذاكرة تصريحات صادرة عن جيراندو نفسه وهو يتفاخر بالتواصل مع مسؤول بسفارة الجزائر بمونتريال. فحتى في غياب أي دليل على خرق قانوني، فإن مجرد وجود هذا النوع من العلاقات “المشبوهة” مقرونا بترويج معطيات ملتبسة وغير مثبتة حول الصحراء، يفتح الباب أمام قراءة سياسية مفادها أن الأمر يتجاوز حرية التعبير إلى منطقة رمادية، قد تتقاطع فيها المواقف الشخصية مع أجندات تضرب الوحدة الترابية بخنجر الغدر والتآمر.

من هنا، لا يبدو غريبا أن يُطرح احتمال وجود نزعة انفصالية، أو على الأقل تساهل واضح مع الخطاب الانفصالي، ليس عبر إعلان صريح بل عبر ممارسات خسيسة نكاية في الموقف الوطني الرصين، تمنح خصومه -بموجب الأمر- مادة رمزية قابلة للاستغلال. فالانفصال، في السياق الحديث، لا يُعبَّر عنه دائما بالشعارات المباشرة، بل قد يتجلى في التشكيك المنهجي وفي تضخيم الروايات غير المؤكدة ثم في تسويق سرديات تلتقي موضوعيا مع خطاب الخصوم.

وفي المحصلة، لا يتعلق الأمر هنا بمحاكمة النوايا، بقدر ما يتعلق بقراءة أفعال في سياقها، لأن قضية الصحراء المغربية ليست مجالا خصبا للتجارب العدمية بمباركة لا مشروطة من العساكر، ولن تكون يوما مسرحا يعتليه “حمقى” الجزائر لتصفية حسابات “أحاذية الجانب”.

يبقى المغرب كبيرا برجاله الأوفياء، وتبقى الجزائر صغيرة برهاناتها الخاسرة من قبيل هشام جيراندو الذي لا يملك من أمره شيئا كونه عاجز عن تبييض سجله القضائي، فما بالك أن يعود له الفضل، يوما ما، في تحصيل الجزائر لتسوية نهائية لحالة التشرد التي تعيشها ابنتها الغير شرعية “البوليساريو”.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى