لومومبا الكونغولي Vs عمورة الكرغولي.. رب ضارة نافعة

في زمن صارت فيه الملاعب مرايا مُكبّرة لأخلاق المجتمعات، لم تعد كرة القدم مجرد تنافس على الأهداف، بل اختبار مجهري للقيم. ومن بين كل الهتافات والقمصان والأعلام، خرج اسم “لومومبا“، – المشجع الكونغولي البسيط – من الهامش إلى المتن، لا لأنه سجّل هدفا، بل لأنه ذكّر اللعبة بما كاد ينساه بعض المنتسبين لها: الكرامة الإنسانية أولا.
لم يكن لومومبا سياسيا ولا نجما إعلاميا، بل مشجعا حمل علمه وصوته وقلبه، فوجد نفسه في مواجهة سخرية جارحة داخل مستطيل يفترض أنه مساحة للفرح المشترك. تلك السخرية الصادرة عن لاعب المنتخب الجزائري محمد الأمين عمورة، وهو يتهكم بدم بارد على وقفة “التمثال” التي دأب عليها لومومبا طيلة مباريات منتخب بلده في كأس إفريقيا للأمم 2025، ظنا منه (أي الكرغولي) قد بلغ عنان السماء بالتأهل إلى ربع النهائي على حساب الكونغو، بينما الضربة القاضية لم تتأخر فخرجت الجزائر ذليلة، أمس السبت، من البوابة الخلفية لمنافسة كروية إفريقية يحتضنها المغرب بحب وشرف رياضي كبير.
نيجيريا كانت البارحة، ثاني المنصفين لميشيل كوكا مبولادينغا بإلحاقها هزيمة نكراء بأبناء قصر المرادية قليلي الأصل والخُلق، بعدما سبقتها إلى الأمر الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وهي توجه دعوة رسمية للمشجع الكونغولي لحضور نهائي الكان، المزمع إقامته يوم 18 يناير الجاري ﺑملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط.
هنا تحديدا، اختار المغرب أن يتموضع أخلاقيا لا رياضيا فقط. فتكريمه للمشجع الكونغولي لم يكن التفاتة بروتوكولية، بل موقفا رمزيا عميق الدلالة: الدفاع عن الإنسان قبل الانتصار للكرة. لقد قالت المملكة، من حيث لا ترفع شعارا، إن إفريقيا ليست فقط منافسة على الكؤوس، بل رابطة كرامة ومصير مشترك، وأن السخرية من أي لون أو لهجة أو هوية هي خيانة صريحة لروح الرياضة.
لم تكن اليد الجزائرية الساخرة من عفوية الرجل مجرد حركة عابرة أو استفزاز رياضي كما يحلو لطاقم الكابرانات الرياضي وصف التصرف بُعيد الواقعة، بل كانت اختزال فج لمنطق مريض يرى في الآخر مادة متاحة للتهكم لا شريكا في اللعبة.
إنصاف لومومبا لم يكن مغربيا فحسب، بل وجد صداه في بلده الأم، حين جاء التكريم الرئاسي على هيئة هدية فاخرة تتمثل في سيارة رباعية الدفع، مُنحت له نظير تمثيله المشرف لوطنه ثم دفاعه المستميت عن القميص الكونغولي. إن الدولة، وهي تلتفت لأحد أبنائها البسطاء وتمنحه الاعتراف بعد أن مُسّت كرامته أمام العالم، فإنها تقول شيئا بالغ الأهمية: المواطن ليس صغيرا حين تُنتهك كرامته، بل تصبح الدولة نفسها معنية بالدفاع عنه.
في المقابل، بدت لحظة السخرية الجزائرية داخل الملعب – مهما حاول البعض الالتفاف عليها – لحظة سقوط أخلاقي مدوٍّ. لأن اللاعب، حين يرتدي قميص المنتخب، لا يلعب باسمه فقط، بل باسم شعب. والسخرية هنا لا تُسيء إلى فرد واحد، بل تُراكم صورا نمطية وحقائق باتت راسخة في العقل، حُيال جيران لا يتحدثون إلا ليُسيئون ولا يتحركون إلا ليَهدموا. لكن رب ضارة نافعة. فالمسيء أو المُؤذي وهو يقترف فعله إنما يقدم خدمة من حيث لا يدري لضحيته “وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ” صدق الله العظيم.
لومومبا خرج من التجربة أكثر انتصارا ممن تنمر عليه. خرج محبوبا، محاطا بالتقدير، محمولا على رمزية أعمق من أي هدف. أما السخرية، فبقيت يتيمة ودُفنت في رقعة الملعب التي فَرَدَ عليها اللاعب الجزائري ظهره انتشاء بسخرية هي علامة مسجلة في سجل إنجازات دولة اسمها الجزائر خلال الكان.
إن قصة لومومبا ليست قصة مشجع فقط، بل درسا بليغا في ميزان القيم:
– حين تتكفل الدول برد الاعتبار، تَكبر
– وحين يسخر اللاعب، يصير قزما مهما علت شهرته
– وحين تنتصر الكرامة، تخسر الانتهازية شيئا من أرضيتها التي تتغذى عليها
وهكذا، تحوّل مشجع بسيط إلى مرآة عاكسة: كشفت من يملك شجاعة رد الاعتبار عبر التكريم، ومن يختبئ خلف مهارة القدم ليُبرر الافتقار إلى العشرة بالمعروف والقول الحسن
وتلك، في النهاية، ليست قصة كرة قدم… بل قصة إنسان انتصر لأنه لم يردّ السخرية بسخرية، بل ترك للقيم أن تفعل فعلها البطيء والعادل.
وإلى الملتقى يا لومومبا !!! لنراك نجما متوهجا من جديد داخل ملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط، ولا عزاء للحاقدين سواء داخل الشيراتون أو خارجه.



