قضية مادورو تكشف مجدّدا ازدواجية خطاب السيادة لدى الطوابرية

أعاد الجدل الذي رافق توقيف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وما أعقبه من تدخل أمريكي مباشر، إحياء نقاش واسع حول مفهوم “سيادة الدول” وحدود التدخل الخارجي.

وكما كان متوقعا، خرجت أصوات في المغرب للتنديد بما اعتبرته “انتهاكا صارخا للسيادة الفنزويلية” وخرقا للقانون الدولي.

غير أن المثير للانتباه ليس الحدث في حد ذاته، بل طبيعة ردود الفعل التي رافقته، خاصة حين تصدر المشهد نفس الأشخاص والتيارات التي اعتادت تبني مواقف معاكسة تماما عندما يتعلق الأمر بسيادة المغرب ووحدته الترابية.

وتتجلى الازدواجية بشكل أوضح عندما نستحضر موقف نيكولاس مادورو نفسه من قضية الصحراء المغربية. فالرئيس الفنزويلي، الذي يُقدَّم اليوم من قبل نفس الأصوات كـ“ضحية لانتهاك السيادة”، كان من أبرز الداعمين لجبهة البوليساريو، في موقف عدائي صريح تجاه الوحدة الترابية للمغرب. حينها، لم نسمع أي حديث عن احترام سيادة الدول أو عدم التدخل في شؤونها الداخلية، ولم تُطرح مسألة الشرعية الدولية إلا بالقدر الذي يخدم ضرب وحدة دولة مستقلة. هذا الصمت المريب يكشف أن الدفاع عن سيادة فنزويلا اليوم لا ينطلق من مبدأ ثابت، بل من اصطفاف إيديولوجي يتغاضى عن المس بسيادة المغرب حين يكون الفاعل “حليفا” سياسيا.

المفارقة الصارخة أن هذه الأصوات نفسها الشهيرة بلقب “الطوابرية” (نسبة إلى الطابور الخامس) تجدها إما دافعت، لسنوات، عن أطروحات معادية للوحدة الترابية للمغرب، تحت غطاء “الشرعية الدولية” و“حق تقرير المصير”، دون أي حرج أو تحفظ أو تجدها لاذت إلى الصمت الخبيث حتى في أقوى لحظات تقديم الدعم لأعداء الوحدة الترابية للمغرب، بل إن بعضها ذهب أبعد من ذلك، عبر تبرير تدخلات خارجية مباشرة في الشأن المغربي، خاصة عندما استُعمل خطاب “حقوق الإنسان” كوسيلة ضغط سياسي على القضاء والمؤسسات.

اليوم، ومع ما حدث في فنزويلا، يعود نفس الخطاب، لكن بوجه مقلوب: سيادة الدول أصبحت فجأة خطا أحمر، والتدخل الخارجي صار مرفوضً من حيث المبدأ، وكأن المفهوم اكتُشف للتو.

هذا السلوك يكشف أن “السيادة” عند هؤلاء ليست مبدأ قانونيا ثابتا، بل أداة سياسية انتقائية. تُستدعى عندما تخدم اصطفافا إيديولوجيا معينا، وتُغيب عندما تتعارض مع ذلك الاصطفاف، حتى وإن تعلق الأمر بسيادة بلدهم.

فعندما يدعم نظام ما أطرافا معادية للمغرب، أو يتبنى مواقف صريحة ضد وحدته الترابية، لا يُطرح سؤال السيادة. وعندما تتدخل قوى أجنبية في وحدة ترابنا أو للتشكيك في القضاء المغربي أو الضغط على مؤسساته، يسود الصمت، أو يُسوَّق الأمر كـ“تضامن دولي”.

الأخطر في هذه الازدواجية ليس التناقض في المواقف، بل التقاطع الموضوعي مع خطاب خصوم المغرب. نفس المفردات، ونفس الحجج، ونفس الزوايا التي تعتمدها أطراف معادية للمملكة، تُعاد صياغتها داخليا على أنها “مواقف مبدئية” أو “نقد حقوقي”.

هنا لا يعود الأمر اختلافا سياسيا مشروعا، بل يتحول إلى اصطفاف فعلي مع سرديات تُستعمل خارجيا لإضعاف الدولة والتشكيك في سيادتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى